مياه الأمطار التى فضحت فشلنا فى مواجهة الأزمات

حسام مؤنس



مياه الأمطار التى فضحت فشلنا فى مواجهة الأزمات



لا يمكن التعامل مع الأزمات التى ترتبت على كثافة الأمطار، التى شهدتها مصر لمدة يومين فقط خلال النصف الثانى من الأسبوع الماضى، باعتبارها مجرد نتيجة لسوء أوضاع البنية التحتية، كما لا يمكن قبول محاولات تبرير البعض بالمقارنة بين «الكوارث الطبيعية» وآثارها التى تحدث فى بعض الدول، وما جرى فى مصر يومَى الثلاثاء والأربعاء الماضيين، والذى لا يمكن أن يرقى فى طبيعته إلى توصيف «الكارثة الطبيعية» لكنه بالتأكيد يمكن وصفه بذلك من حيث طبيعة التعامل وردود الفعل ومدى الاستعداد لمواجهة الآثار من جانب أجهزة الدولة.
ولعل ما جاء فى بيان هيئة الرقابة الإدارية، الذى صدر السبت الماضى حول «انعدام الحرفية والمهنية فى إدارة الأزمة عقب حدوثها وغياب التنسيق بين وزارات الإسكان والكهرباء والنقل ومحافظة القاهرة» يؤكد بوضوح أن الأزمة تتجاوز مشكلات البنية التحتية لتبرز عدم الكفاءة والاستعداد لمواجهة موجة أمطار لحماية المواطنين والمنشآت من آثارها، بل والاستفادة من هذه الأمطار فى وقت تتجه فيه سياسات الحكومة لترشيد استخدام المياه فى مواجهة أزمات الشح المائى المتوقعة خلال الفترة المقبلة خصوصًا على خلفية أزمة سد النهضة التى لا يبدو لها فى الأفق حلول جادة حتى الآن، ومع ذلك فبدلًا من الاستفادة من هذه الأمطار الغزيرة، وبدلًا من التوجه إلى ترشيد استهلاك المياه بطريقة صحيحة وجادة، نجد قرارات وزارية بخصوص زراعة المحاصيل كثيفة الاستخدام للمياه؛ مثل الأرز، وتعديلات لقانون الزراعة ليعاقب بالغرامة ويصل إلى الحبس للفلاحين.
الأزمة الأخيرة التى أدت إلى الإضرار بعدد من المنشآت، واحتجاز مواطنين لساعات طويلة على الطرق، والتى قررت هيئة الرقابة الإدارية على أثرها إحالة بعض الوقائع والمسؤولين إلى النيابة العامة، تكشف عن حجم تهالك البنية التحتية وعدم إعدادها حتى على مستوى مدن جديدة مثل القاهرة الجديدة، وطرق جديدة نسبيًّا أيضًا مثل الطريق الدائرى وطريق العين السخنة، وغيرهما، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تكشف عن حجم التضارب والتداخل بين الجهات الحكومية والرسمية فى التعامل مع الأزمات ما بين الوزارات والمحافظات والأجهزة المحلية، وكل ذلك فى غيبة مجالس محلية منتخَبة يمكنها أن تسائل وتحاسب.
أزمة الأمطار التى بدلًا من أن نستغلها لتكون ميزة نستفيد منها، تحولت إلى كارثة نعانى من آثارها، تستدعى أربعة تساؤلات رئيسية كشفت عنها الأزمة، أولها ما يتعلق بمدى تخطيط الدولة واستعدادها لمواجهة أى أزمات مماثلة فى مخططاتها للمدن والطرق الجديدة العديدة التى تقوم بإنشائها، أم أننا قد نعود بعد سنوات، قصرت أم طالت، لنقول إننا لم نكن مستعدين ولم نخطط فى هذه المشروعات الجديدة لمثل هذا النوع من الأزمات؟ وأهمية طرح هذا السؤال تبدو واضحة فى ظل ما شهدناه من آثار الأمطار على مدن وطرق تعَد بالفعل جديدة نسبيًّا، حتى وإن كان تاريخ نشأتها يرجع إلى سنوات سابقة.
التساؤل الثانى وهو مرتبط بالأول، يعود بنا مجددًا للحديث عن أهمية تطوير البنية التحتية القائمة بالفعل، وأولويتها فى ظل ما تخبرنا السلطة به ليلَ نهار عن قلة الموارد وضعف الإمكانيات المالية، وهو ما يعنى ضرورة الاختيار بين تطوير ما هو قائم والبدء فى مشروعات جديدة، ولعل المبررات العديدة التى قيلت عن ضعف البنية التحتية وعدم الصيانة أو التطوير لسنوات طويلة تستدعى منا مجددًا أن نشير إلى ضرورة الاهتمام بذلك الملف على مستوى الدولة بدلًا من الاستمرار فى الانخراط فى مشروعات جديدة يمكنها أن تنتظر لبعض الوقت، خصوصًا أن عوائدها غالبًا ما تكون على مدى زمنى أطول وأبعَد.
التساؤل الثالث يتعلق بدور المجالس المحلية التى لا تزال مُغيبة فى ظل تعطيل إجراء انتخابات المحليات حتى الآن، وهو ما يستدعى سرعة الانتهاء من قانون الإدارة المحلية والإعداد لانتخابات المجالس المحلية وإجراءها فى أقرب وقت ممكن بدلًا من استمرار المَط والمماطلة والتسويف بحجة عدم الانتهاء من القانون، خصوصًا أن دور وصلاحيات هذه المجالس تبدو بالغة الأهمية، ليس فقط فى مواجهة أزمات مماثلة، بل وفى الكشف عن أزمات ومشكلات عديدة فى كل محافظة ومدينة وقرية، ووضع الخطط لمواجهتها ومعالجتها، والمحاسبة الجادة للمسؤولين التنفيذيين عن تلك الخطط بدلًا من الانتظار حتى تقع الكارثة وآثارها. ويبدو هنا مهما لفت الانتباه إلى أن أغلب ما شهدناه وسمعناه فى أزمة الأمطار الأخيرة كان متعلقًا بما جرى فى القاهرة ومناطق محددة منها، بينما بالتأكيد هناك المزيد من المعاناة وإنْ اختلفت صوَرها لدى المواطنين فى بقية المحافظات، خصوصًا الأكثر فقرًا والأقل إمكانيات فى مواجهة آثار مثل تلك الموجة الأخيرة من الأمطار.
أما التساؤل الرابع والأخير فهو يخص ظاهرة أن يستمر البعض فى أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، فأصوات النقد والغضب التى تصاعدت من كثيرين ممَّن عانوا من آثار الغياب الحكومى والاستعداد لمواجهة آثار الأمطار، واجهتها عشرات التصريحات المستفزة لمسؤولين فى الدولة، وكأن كلًّا منهم يريد أن يُلقى بالمسؤولية بعيدًا عنه، فضلًا عن مئات التبريرات من مؤيدين للسلطة الحالية، تدافع وتبرر بلا منطق وبلا داعٍ، وهو منطق كاشف عن طريقة تفكير بعض المؤيدين الذين يذكروننا بالدبة التى قتلت صاحبها وهى تظن أنها تدافع عنه، كما أنه كاشف أيضًا عن ضعف منطق هؤلاء الذين اختفوا وصمتوا فور إعلان السيسى تفهمه معاناة المواطنين من آثار الأمطار، ثم تصريحات رئيس الوزراء بالتزامن مع تحركات رئيس هيئة الرقابة الإدارية فى بعض المواقع التى شهدت الأزمة.
اللافت هنا أن دولة تتحدث عن خطورة التحديات التى تواجهها ليلَ نهار، وعن تخطيطها للمستقبل، ينكشف تواضع قدراتها وسوء إدارتها فى أزمة صغيرة مثل تلك، وهو ما لا يمكن معه إلا أن يتزايد قلقنا، ليس فقط تجاه سوء أوضاع البنية التحتية، ولا القدرة على التنسيق بين الأجهزة والأطراف المعنية، بل -وهو الأهم- حول مدى قدرة الدولة بمعناها الأشمل على مواجهة الأزمات الأهم والأكبر، خصوصًا فى ظل طريقة إدارة العديد من الملفات الأخرى التى ربما تكون أكثر أهمية وخطورة من مياه الأمطار!



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...