حقيقة مكة فى الخرائط القديمة

سمير درويش



حقيقة مكة فى الخرائط القديمة



«دان جيبسون» باحث ومؤرخ كندى من مواليد عام 1956، متخصص فى تاريخ العرب والمسلمين، ينتمى إلى عائلة بريطانية كندية من المؤرخين، فقد كان أبوه وجده مهتمين بتاريخ الكتاب المقدس لأسباب دينية. انتهى من دراسة اللاهوت فى المدرسة الثانوية وزار شبه الجزيرة العربية وهو فى العشرين من عمره تقريبًا، وقضى حياته بعدها يبحث فى تاريخها، وانصبت أبحاثه على تجارة العرب الأنباط بين عامى 300 قبل الميلاد و500 ميلادية، واعتمد فى دراساته على الكتب المقدسة فقط؛ لذلك استبعد المراجع التى كتبها البشر، وركز على عدم تطابق النصوص مع الواقع. وفى عام 2011، أصدر كتابه المهم «القرآن والجغرافيا»، حيث اهتم بدراسة الأماكن وأوصافها كما وردت بالقرآن، ومقارنتها بالواقع فى أماكن نزول الرسالة، مكة والمدينة، وانتهى إلى أن أوصاف المدينة التى نزل فيها الوحى لا تنطبق على مكة، بل على البتراء فى جنوب الأردن، حيث يصف القرآن مدينة مُسوَّرة، فيها مبانٍ وأشجار، وبها كثافة سكانية يمكن جمع جيوش بالآلاف منها، وقد أثبتت الدراسات الحديثة على التربة، التى قام بها هو وغيره من العلماء، أن أرض مكة لم يكن بها زراعات يومًا، كما أن الحفائر الحديثة لم تظهر أى آثار لأبنية قديمة مدفونة، مثلما الحال فى دول عربية كثيرة: مصر والعراق وسوريا والسودان وفلسطين، وغيرها ممَّن شهدت حضارات قديمة.

لفت نظر دان جيبسون فى دراساته عدة أشياء فى غاية الأهمية، أولها أن اسم مكة لم يرد فى القرآن سوى مرة واحدة بشكل مباشر، على أهمية المدينة بالنسبة لآخر الرسالات السماوية، خصوصًا أنها -كما تقول الروايات- مدينة تجارية تلتقى فيها خطوط التجارة، وقد كان أجداد النبى تجارًا، وعمل هو نفسه فى التجارة بأموال السيدة خديجة بنت خويلد، التى تزوجها بعد ذلك، كما أنه لا توجد أدلة أركيولوجية -أثرية- على وجود محمد فى مكة، ولا توجد وثائق عن مكة قبل عام 800 ميلادية، وبدراسة وترجمة الخرائط القديمة لم يجد جيبسون مكة بها، وفى المصادر الخارجية لم يرد ذكر لها قبل 740م، أى بعد ظهور الإسلام بـ120 عامًا، كما أن دراسة طرق التجارة القديمة أظهرت أن مكة لم تكن على أى منها، لكن الملاحظة الأهم أنه التقط فكرة «المسجد الحرام» الذى يشير إليه القرآن ويحج المسلمون إليه من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الحج كان معروفًا قبل الإسلام، وسأل نفسه: لو أن مكة كانت غير موجودة، فأين كان الناس يحجون؟ وبدأ البحث، فوجد نقوشًا تركها الحجاج على جبلٍ فى طريقهم إلى «البتراء»، كتبوا أسماءهم ورسائلهم التى لا تزال موجودة حتى اليوم، ما عزز فكرته عن نزول الوحى على محمد فى البتراء.
الدليل الحاسم الذى بحث عنه دان جيبسون هو «القِبلة»، فالمعروف من كتب التراث أن المسلمين كانوا يُصلّون باتجاه القدس، وفى سنة 624م تغيرت إلى «المسجد الحرام»، لكن الآية لا تذكر مكان القِبلة الأولى صراحةً: «قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» «البقرة: 144»، ولمعرفة المكان ومدى مطابقته مع المنقول، بحث دان جيبسون عن المساجد القديمة الباقية حتى الآن، مثل مسجد القبلتين فى المدينة، الذى هُدم فى 1987 وأعيد بناؤه، فى أثناء الهدم وجدوا جدار القِبلة التى لا تتجه إلى مكة أو القدس، وغيره هناك 11 مسجدًا قديمًا، بالترتيب، المسجد الذى بناه سعد بن أبى وقاص فى جوانجو بالصين «كانتون القديمة» وبُنى عام 627م، وقِبلته لا تتجه إلى مكة أو القدس كذلك، فتبعد 12 درجة شمال مكة وتمر جنوب القدس، وفى مصر مسجد الفسطاط الذى بناه عمرو بن العاص عام 20 هجرية، ولأنه أعيد بناؤه أكثر من مرة، فاطلع على المخطط الأساسى الذى يقول إن القِبلة الأولى كانت ناحية الشرق، والثانية باتجاه مكة. والمبنى الثالث هو القصر الأموى بالحميمة فى الأردن، وبناه العباسيون عام 80 هجرية ولم يكن به مسجد، فكان الناس يصلّون فى فنائه، ولم تكن القبلة تجاه القدس، وبعد عام بُنى مسجد فى بعلبك ولم تكن القبلة تشير إلى مكة، وبعد عام آخر بنى الأمويون مسجدًا فى جبل القلعة فى عمان، قِبلته باتجاه الجنوب وليس إلى مكة. وهناك مساجد أخرى فى صنعاء باليمن، وفى فلسطين المحتلة «الجليل»، ثم فى واسط فى العراق، ثم مسجد الأقصى فى القدس جنوب مسجد الصخرة، ثم قصر خربة المفجر فى الأردن قرب أريحا، ومسجد فى عنجر بلبنان قرب بيروت عام 103هـ. واكتشف أنها كلها لا تتجه إلى مكة أو القدس، وعندما وضعها جميعًا على خريطة واحدة ومد الخطوط على استقامتها بمساعدة جوجل، كانت النتيجة المذهلة أنها جميعًا تتجه -من جميع الاتجاهات- إلى مكان فى جنوب الأردن فيه بلدة البتراء القديمة.
روى البخارى فى «الصحيح» حديثًا مرفوعًا عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: «بينما النَّاس بقُباءٍ فى صلاةِ الصُّبحِ، إذ جاءَهم آتٍ، فقال: إنَّ النَّبى، صلَّى الله عليه وسلَّم، قد أُنزِلَ عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يستقبِلَ القِبلةَ فاستقبِلوها، وكانت وجوهُهم إلى الشَّام، فاستداروا إلى الكَعبة»، وورد الحديث أيضًا فى موطأ الإمام مالك، وفى صحيح مسلم، وغيرهما، وهناك روايات أخرى تقول إنه حدث فى صلاة الظهر.. لا يهم، المهم أن الأحاديث هى التى أخبرتنا أن القبلة كانت القدس قبل أن تتغير إلى مكة، وقد دُونت بعد وفاة الرسول بنحو قرنين كما هو معلوم، وقد أثبتت دراسات دان جيبسون أن هذه المعلومة قد تكون ليست دقيقة، ويذكر أنها ليست مُتعمدة، بل ناتجة عن قلة المعلومات وصعوبة البحث والتقصى فى صدر الإسلام، فما فعله جيبسون فى زمن ضئيل معتمدًا على التكنولوجيا، والخرائط المفصلة التى وفرها موقع جوجل، كان يحتاج إلى قرون للوصول إليه، ولن تكون النتيجة حاسمة، والقول إن الانحرافات الضئيلة واردة فى القديم وإن امتداداتها هى التى تصنع تلك النتائج «الخادعة» تدحضه حقيقتان، الأولى أن العرب كانوا علماء فى الفلك، يحسبون الاتجاهات بمواقع النجوم وما كانوا يخطئون، والثانية أنه لا يمكن أن تؤدى الأخطاء جميعًا ومن جميع الاتجاهات إلى وجهة واحدة هى «البتراء».
هذا الأمر ليس مهمًّا فى ذاته، خصوصًا أن دان جيبسون لا ينكر وجود محمد، صلى الله عليه وسلم، ولا وجود المدينة «يثرب» التى هاجر إليها بالفعل، لكنه سيضعنا أمام إشكاليتين، الأولى أن المعلومات التى وصلت إلينا من كتب التراث لا يمكن الاعتماد عليها وحدها فى المعرفة، سواء فى التاريخ أو الجغرافيا وغيرهما، والثانية أن الكعبة الحالية والأماكن المقدسة المرتبطة بها فى مكة ستكون موضع مراجعة، خصوصًا إذا عرفنا أن الجزيرة العربية كان بها عدد كبير من «الكعبات»، وأنها جميعًا كانت تجذب المتعبدين، وقد تم هدمها فى ثلاثينيات القرن الماضى بعد استيلاء آل سعود على السلطة بالاتفاق مع آل الشيخ، وبقيت هذه الكعبة وحدها، وهذا الأمر مذكور فى مصادر متعددة، وهناك أحاديث وحكايات من سيرة ابن هشام تقول إن الناس اتخذوا كعبات أخرى غير الكعبة المعروفة وأقاموا فيها طقوسهم، وقد وجد دان جيبسون بعض الأحجار فى أحد أبنية البتراء يعتقد أنها هى التى قذفها الحجاج بن يوسف الثقفى على «الكعبة» وهو يحارب عبد الله بن الزبير وأتباعه الذين تحصنوا فيها.
على كل حال، سواءً أكانت نظرية دان جيبسون حول ولادة النبى فى البتراء وبعثه فيها صحيحة أم خاطئة، فنحن أمام حقيقة أن هناك علماء آثار ومخطوطات وأديان غربيين يبحثون فى تاريخ الإسلام ومصادره، ولا يتركون كبيرة ولا صغيرة إلا دققوها وقارنوا الروايات بعضها ببعض، وقارنوها جميعًا بالواقع، وهناك بحث فى وثائق الفرس والروم فى الفترة التى يعتقد أن محمدًا عاش فيها، وهى موجودة بالفعل، حيث كان لملوكهم كتاب يسجلون يومياتهم ويحفظون وثائقهم ومراسلاتهم، بعكس العرب الذين لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة، والأهم أنهم أحرقوا ما يملكون عدة مرات حتى يُمحَى أثره ولا يبقى للأجيال التالية إلا ما يجب أن يعرفوه. هذه الحقائق ستخلخل الكثير من المسلَّمات التى نعيش عليها، ولن يفيدنا التحصن وراء معلومات غير موثقة امتلأت بها الكتب القديمة، تلك التى نقدسها لا لشىء سوى أنها قديمة! وهذا كافٍ لأن لا نكتفى بإغماض أعيننا ظنًّا أن أحدًا لا يرانا، وأن نبحث بأنفسنا بشكل علمى، مستفيدين من ثورتى المعلومات والتكنولوجيا، كى نصل إلى الحقائق قبل أن نجد أنفسنا خارج التاريخ.

الهوامش
دان جيبسون
كانت دراسته حول إثبات وجود تناقض بين السجل الأثرى والتاريخى للجزيرة العربية، واعتمد على النصوص التقليدية؛ كالقرآن والكتاب المقدس، رافضًا الرجوع إلى القصص التقليدية عن مكة كما يفعل الباحثون الإسلاميون المعاصرون، وركز على عدم تطابق النصوص التقليدية للإسلام مع الواقع.

الحجاج بن يوسف الثقفى
«40- 95 هجرية»، وُلد فى الطائف وانتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك فكان فى عديد شرطته، حتى وُلِّى جيش عبد الملك فأخمد كل الثورات التى خرجت ضده، وولى على الحجاز والطائف والعراق. وكان سفَّاكًا سفَّاحًا مرعبًا، باتفاق معظم المؤرخين، حتى عُرف بـ«المُبيد».

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.