جولة مع المتنبى فى موقع الهجوم الأمريكى على دمشق

روبرت فيسك



جولة مع المتنبى فى موقع الهجوم الأمريكى على دمشق



ترجمة: أميرة جبر عن «إندبندنت» البريطانية

 

دمشق، لقد عاش شاعر القرن العاشر، العراقى العظيم أبو الطيب المتنبى ذات مرة، يا أيتها المدينة المنكوبة، فى إمارة حلب، حتى إنه قاد تمردا فى سوريا تم قمعه -كما كان معتادا- بقسوة شديدة، بل قضى المتنبى عامين فى السجن قبل أن يتصالح مع هزيمته ويطلق سراحه بعدها. ويستطيع أغلب الأطفال العرب فى سوريا الاستشهاد بالرجل عن ظهر قلب، وتبدأ إحدى قصائدهم المفضلة بالكلمات الآتية: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة ** فلا تظنن أن الليث يبتسم».

وقد حضرنى هذا الليث فى أثناء تسلقى الأسبوع الماضى الأنقاض على جانب مركز الدراسات والبحوث العلمية فى ضاحية برزة بدمشق. كان هذا هو المركز -المشهور الآن من واقع الكثير من صور الأقمار الصناعية- الذى دمرته صواريخ دونالد ترامب عندما ضربوا «قلب برنامج سوريا للأسلحة الكيميائية». هل ضربت قلبه فعلا؟ إن أى شىء اسمه بغرابة «دكتور سترينجلوف» (نسبة إلى فيلم ستانلى كوبريك عام ١٩٦٤) كـ«إدارة البحوث الكيميائية الدوائية والمدنية»، التى شكلت جزءا من المجمع الذى ضرب بما لا يقل عن ١٣ صاروخا، يستحق دراسة محتواه عن قرب. وقد منعت من زيارة هذه المؤسسة السورية لمدة ٣ أيام. وإذا كانت قد دمرت -وقد دمرت فعلا وعلى نطاق أوسع مما تشير إليه الصور الفوتوغرافية- لماذا التأخير؟
وهل يهم ذلك؟ نعم. يحضرنى «مصنع ألبان الأطفال» العراقى الأكثر شهرة الذى قصفه الأمريكيون عام ١٩٩١ ووصفه الجنرال كولين باول بـ«مصنع للأسلحة البيولوجية، نحن متأكدون من ذلك». وقد كتب زميلى باتريك كوكبيرن عن هذا الأسبوع الماضى مستدعيا زيارته للمصنع بعد بضع ساعات من القصف. وبعد الحرب تبين أن المبنى كان على الأرجح مصنعا لألبان الأطفال فعلا، وعلى الرغم من ذلك ما الذى لا تستطيع القيام به بكوب من اللبن؟
المشكلة هى أنه فى الوقت الذى نؤمن فيه بأن جميع المستبدين العرب يكذبون بانتظام ينبغى علينا نحن القوم الغربيين محاسبة قادتنا، والتأكد من أنهم يقولون الحقيقة عندما يدعون أنهم يتصرفون نيابة عنا. ولهذا السبب يجب تفسير هجوم الدومة كاملا، ولهذا السبب أردت معرفة ما إذا كان حطام برزة (الرد المباشر على الدومة على الرغم بالطبع من عدم مقتل أحد فى برزة) ما قلناه أو ما زعمه السوريون -منشأة أبحاث طبية- هل كان الليث يبتسم لى؟ أم كنت أسىء تفسير معنى وجهه؟
وبالتأكيد كان الدكتور سعيد السعيد رئيس قسم البوليمرات بالمركز كله ابتسامات، وإحقاقا للحق لم يبد كـ«دكتور سترينجلوف». وعندما قابلته من دون «مرافقين» أو حراس قدم لى حطام مركز البحوث المقصوف أدلة قليلة على أنه مركز بحوث الحرب الكيميائية الذى ادعاه مدمروه الأمريكيون. وبدا فعلا كموقع حيث لا يوجد دليل على تطوير أو اختبار أو إنتاج أسلحة كيميائية وفقا لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلال زيارتها الأخيرة فى نوفمبر الماضى.
وهذه المنظمة هى نفسها التى تحقق حاليا فى هجوم غاز الدومة المفترض، وقال لى بينما غز إصبعه فى صدرى: «لو كان هذا مركزا للأسلحة الكيميائية لكنت قد مت لمجرد وقوفك هنا اليوم». وهذا بالكاد قاطع نظرا للمدة التى مرت، وبالطبع قد يكون استغل فقط للبحوث بدلا من تخزين الأسلحة الكيميائية الأمر الذى شكل جزءا من ادعاء الأمريكيين. ونطرح السؤال القديم ذاته: «ما الذى لا تستطيع القيام به بكوب من اللبن؟».
وتسلقت الحطام وحدى لمدة طالت عن ساعة ووجدت ٥ مبان فى الحرم البحثى مدمرة كليا. وتجولت حرا تحت الشمس الأمر الذى أرضى دكتور السعيد ذا الـ٦٤ عاما. ولكن كان قد مضى ٤ أيام على الضربات الجوية الأمريكية/ الإنجليزية/ الفرنسية. ويتهم السياسيون الغربيون أعداءهم روتينيا بابتلاع أدلة الإدانة قبيل فتح مواقع القصف لأى صحفيين. وقد بقيت أنتظر لمدة ٣ أيام.
ومع ذلك، عندما مررت فى النهاية عبر بوابات هذا الحرم كانت الأوراق والملفات لا تزال عالقة فى الخرسانة المتسطحة وتلوح فى الهواء. وكانت أكثر الأوراق التى وجدتها إثارة للاهتمام متعلقة بمشروع تحلية مياه فى ريف سوريا ورسالة علمية منشورة بالإنجليزية من قبل علماء كويتيين عن استخدام الكاوتشوك لإحكام جسور الطرق الخرسانية. وفى أثناء وجودى هناك بدأت الحفارات الميكانيكية فى نقل كتل ضخمة من المبانى بعيدا -وبعضها لا تزال به أوراق أكثر عالقة فى الحطام- وإلقاؤها فى لوارى تجارية للتخلص منها. هل كان من الممكن أن يكون هذا موقعا لعملية تستر مستفيضة؟
هل يستطيع السوريون إزالة الأدلة فى ٤ أيام؟ وبينما لست خبيرا فى الأسلحة الكيميائية فمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالتأكيد خبيرة، وقد زارت برزة عدة مرات عام ٢٠١٣. ولكن ماذا حدث منذ ذلك الحين؟ قال السعيد: «قالوا إن (المركز) خالٍ من أى بحوث حروب كيميائية»، وتؤكد التقارير المنشورة ذلك، ولكن لم تجرِ أى زيارة منذ نوفمبر الماضى. ومع ذلك -وتتضاعف الأسئلة هنا على الأرجح مثلما تتضاعف فى مركز للأبحاث- هل يُعقل أن لا تقدم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إشارة ما على تغيير مجمع برزة لمقصده إذا كانت قد شكت فى ذلك خلال الأشهر الخمسة الماضية؟ كان لا تزال هناك رائحة قوية لاحتراق البلاستيك والتى نسبها إلى البقايا المشتعلة من الحواسب والمكاتب البلاستيكية بين الحطام.
وسرت فى أعماق الحطام ولم يتوتر العاملون أو الرئيس البدين للمركز، ولم يطلبوا منى التوقف الأمر الذى عادة يمثل دلالة على توتر شخص ما. وقد حدث ذلك معى فى صربيا عندما اكتشفت الخنادق الضيقة خلف المستشفى التى قصفها الناتو، وقد تبين أن المرضى المدنيين قد ماتوا وأن الجنود اليوغوسلافيين الذين اختبؤوا هناك ضد كل قوانين الحرب لم يصبهم أى أذى وكانوا قد غادروا منذ زمن. وكان من بين المبانى غير المدمرة فى الحرم السورى قاعات محاضرات طلابية ومدرسة أطفال بها لوحات لحيوانات يتبين -من واقع الألوان الباهتة- أنها كانت قد زينت الجدران منذ عدة فصول صيفية.
وتدرب دكتور السعيد نفسه ككيميائى تطبيقى، أولا فى درسدن (عندما كانت لا تزال جزءا من ألمانيا الشرقية) ثم فى دوسلدورف. ويقول إنه قد عمل هنا لمدة ١٥ عاما، ولكنه كان فى بيته على بعد ١٠ أميال عندما ضربت الصواريخ فى الساعات الأولى. وسألت ما إذا كان يتوقع أن يكون هدفا، فرد قائلا: «لست بخبير فى السياسة»، مضيفا: «ولكن مع الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين يمكنك توقع أى شىء».
وأصر على أن طلابه ومحاضريه كانوا يبحثون إنتاج المواد الكيميائية الطبية وخصوصا الحمض النووى للعقارب والثعابين فضلا عن اللوكيميا والسرطانات: «ننتج أبحاث دواء للاستخدام المحلى ولكنها تباع عبر الشرق الأوسط بأكمله، كنا نطور حبيبات كاوتشوك لقطاع البترول ونبحث استخدام الكاوتشوك فى تدشين الجسور». وعندما قال لى السعيد هذا لم يكن على علم بأننى قد عثرت على الأوراق الخاصة بالموضوع بين الحطام، وهى نقطة فى صالحه. وأضاف: «لقد أعطتنا منظمة حظر الأسلحة الكيميائية شهادات مرتين».
كما لاحظت أن هذا الحرم الكبير يقع على بعد أقل من ميل من موقع معارك شرسة دارت منذ ١٨ شهرا بين جيش الحكومة وجبهة النصرة (بالإضافة إلى بعض متمردى «الجيش السورى الحر»)، وقد شهدت جانبا من هذا القتال حينها. هل كان النظام السورى ليحافظ على مركز لأبحاث الحروب الكيميائية قد يقع بسهولة فى أيدى أعدائه حينها أو لاحقا؟ وإذا كان الأمريكيون قد أصابوا عندما قالوا فى عطلة نهاية الأسبوع إن مركز برزة يستخدم فى بحث وتطوير وإنتاج واختبار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، فالنظام كان بالتأكيد يأخذ مخاطرة كبرى قبل وبعد المعارك. إذن، لتصح الادعاءات الأمريكية لابد وأن جهدا كبيرا قد بُذل لتغيير طبيعة هذا المجمع خلال الأشهر الخمسة الماضية، منذ وجود مفتشى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ويقر الآن بشكل عام بأن مصنع ألبان الأطفال العراقى كان حقيقيا، على الرغم من أن النظام العراقى وضع لافتة وهمية بالإنجليزية على البوابات المحطمة لكاميرات التليفزيون عقب القصف. إن اللافتة الوحيدة بجوار المجمع السورى المحطم إنما هى صورة كبيرة لبشار الأسد مكتوب عليها عنوان «كله من أجلك»، بالعربية.
وعودة إلى الليث، قُتل المتنبى المسكين فى النهاية على يد رجل كان قد أهانه فى قصيدة، وكان اسمه -مهلا- ضبة الأسدى، وبالطبع لا توجد صلة.

 

———

 

روبرت فيسك
كاتب وصحفى إنجليزى، مراسل جريدة «إندبندنت» البريطانية فى الشرق الأوسط منذ عام ١٩٨٩، وإقامته الأساسية فى بيروت. فاز بجائزة الصحافة البريطانية كأفضل مراسل خارجى فى العام ٧ مرات. يتحدث العربية، وهو واحد من الصحفيين الغربيين الذين حاوروا أسامة بن لادن، فقد حاوره ٣ مرات بين ١٩٩٣ و١٩٩٧.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...