ليلة غرقت فيها القاهرة.. التعامل مع الأزمة يكشف الجميع

طارق أبو السعد



ليلة غرقت فيها القاهرة.. التعامل مع الأزمة يكشف الجميع



سيول غير متوقعة وأمطار غزيرة أصابت القاهرة، كان من الممكن أن تكون مجرد حالة طارئة مرت على مصر لا أكثر، إلا أن التعامل مع الحالة كشف الجميع..

أولًا، كشف المسؤولين الذين أثبتوا أنهم ليسوا مسؤولين، فالمسؤول ليس بمنصبه وراتبه الكبير ولا بنفوذه، إنما المسؤول بكفاءته التى تؤهله لأن يتولَّى منصبًا فى الدولة وبقدرته على تحمُّل مسؤولية نجاح مهمته وخدمة المواطنين، ورد فعله فى الأمور الطارئة وتحت الضغوط.
كل هذا انكشف وبان، الأمطار غير المتوقعة أظهرت معدن المسؤولين وأنهم لا يتحملون المسؤولية أبدًا، وأن الكثير منهم غير مؤهل علميًّا ولا عمليًّا لتولِّى مناصب قيادية فى الدولة، وأن الكثير منهم جاء وَفق قواعد ليس منها كفاءته الإدارية.
ثانيًا، كشفت الأمطار ضعف إحساس المسؤولين بالأزمة، فأن يصل التجاهل إلى أن يغلق السادة المعنيون بالأمر هواتفهم أمام الجماهير، فهذا والله خيبة ما بعدها خيبة. تخيَّل يا محترم الجماهير المذعورة وهى لا تعرف كيف تتصرف فى مثل هذه الأمور الطارئة، إنهم يحتاجون فقط إلى مَن يجيب عليهم ويطمئنهم ويوضح لهم، وهذه من بديهيات إدارة الأزمات أن تهدِّئ من روع الجماهير وتطالبهم بحُسن التصرف، كى لا يضروا بأنفسهم وبالبلد.
تخيَّل أن المسؤولين بدلًا من أن يخصصوا رقمًا للطوارئ لإجابة الناس الملهوفين يغلقون هواتفهم ولا يردون على أحد! أن تصل بنا الحال إلى أن يتنصل المسؤولون عن تبعية المنطقة المنكوبة لهم! إن اختيار مسؤولين لا يدركون معنى المسؤولية بحجة عدم تبعيتهم الإدارية للمحافظة جريمة فى حق الوطن والمواطنين، فهذا التصرف غير المسؤول يزيد الطين بلة ويزيد الاحتقان لدى الناس.
ثالثًا، كشفت الأمطار منهج تعامل الحكومة مع الأزمات، فالمشكلة ليست فى ما نتعرض له من كوارث أو أزمات، بل تكمن فى منهج التعامل معها، وواضح جدًّا غياب المنهج العلمى عن الحكومة وغياب فن الإدارة بالكلية، وواضح جدًّا أن العشوائية هى سيدة الموقف، فـ«الأرصاد» -وهى جهاز حكومى- تنبأت بقدوم أمطار غزيرة، أى أن الأماكن التى كان من المتوقع سقوط أمطار بها معلومة ومحددة سلفًا! فلماذا لم يتم الاستعداد لها قبل سقوط الأمطار؟! ألم يكن على المحليات أن تقوم بتطهير وصيانة طرق وبلاعات الصرف، لتسهيل حركة المياه؟! ألم يكن على المحافظة المتوقع سقوط أمطار فيها بشدّ حالة طوارئ فى المحليات وتجهيز سيارات شفط المياه من الطرق فى حال عدم تمكن البيارات من استيعاب الأمطار، وأن تشكل غرف علميات لمتابعة الوضع على الأرض وتقديم كل سُبل العون والإرشاد للمنكوبين بهذه الأزمة؟!
ليس عيبًا أن نستعد للأزمة بكل طاقتنا حتى ولا نستخدم كل الاستعدادات، لأن النجاح فى إدارة الأزمات يكمن فى منع حدوثها من الأساس، وإذا حدثت فيكون بحُسن التعامل معها بحيث يتم منع آثارها السلبية.
رابعًا، الأزمة كشفت عن الوعى المجتمعى المشتت وأننا كمجتمع لدينا عقلان، عقل تبريرى لدى المسؤولين وأتباعهم وعقل تهويلى يائس للمنكوبين والمذعورين، وأن العقول التى تمت برمجتها لتبرير قصور أداء الحكومة ستقتل الوطن يومًا ما، فليست الوطنية أن أبرر كل خطأ أو أن أُسكِت الأطراف الأخرى ولا أن أشيع أن هذا يحدث فى العالم كله أو أن هذا ناتج لتغيُّرات المناخ التى ليست لنا يد فيها أو أن هذا سببه الإهمال والفساد فى عصور تالية، فهذه الكلمات تصرفنا عن فهم وتفسير الأزمة والكارثة، وتمنعنا من التدريب على مواجهتها، مما يضعف قدرات المجتمع ويجعل لديه قابلية للتفتت، وفى مقابل هذه العقول توجد عقول أخرى بُرمجت على التربُّص والتهويل، فليس من الوطنية أيضًا أن تتصيَّد أى خلل أو قصور فى أداء الحكومة، لتصب جام غضبك على الجميع، وتهول من الصعاب التى تواجه الدولة، فهذا يفقد الشعب ثقته بنفسه وبقدرته على مواجهة الكارثة.
خامسًا، هذه الأمطار كشفت الخلل الطبقى فى المجتمع الذى يجب أن لا يمر كنكتة ساخرة، بل يجب أن يحلله علماء الاجتماع، وهو هذا الكم الساخر الملىء بكلمات التشفِّى تجاه سكان التجمع الخامس الذين غرقت منازلهم الغالية الفاخرة. ليست المشكلة فى المطر، المشكلة فى مشاعر المواطن العادى الذى تجاوز النكتة إلى ما يشبه الإنذار الخفى الذى يشى بانفجار قادم، فهذه السخرية دلالتها السيئة أن هناك بوادر صراع طبقى غير محمود، رغم أن السيول التى تعرضت لها مصر أصابت دمياط وبعض المناطق الساحلية، لكنّ سكان التجمع وحدهم نالهم نصيب من الشماتة فيهم، هل لأن المصائب والكوارث فى مصر لم تكن تصيب إلا الفقراء فقط، أم لأن هناك مَن يستشعر الظلم الاجتماعى نظرًا للتفاوت الشديد بين طبقات المجتمع؟ هذا نذير شر! يجب أن لا يترك دون دراسة ودون إجراءات قانونية لتخفف الاحتقان الطبقى فى اللحمة المجتمعية المصرية.
سادسًا، كشفت الأمطار عن غياب العقلية العملية والتخطيط السليم لدى الخبراء الذين تحدثوا فى هذا الشأن، فالكثير منهم حمل لواء الدفاع عن الدولة بزعم أن ما تعرضنا له هو تغيُّر مناخى، وكان تغيير المناخ جملة كافية لتبرير أداء الحكومة السيئ، ولا يعلم هؤلاء أن قصة تغيُّر المناخ ستوجب على الحكومة الاعتراف بأن عليها القيام بواجبات جديدة لتفادى تغيُّر المناخ، فمثلًا مصر ستواجه بعض العواقب المحتملة مثل خسارة مخزون المياه الجوفية، سنعانى من تراجع المحصول الزراعى، فمَن البديهى أن يؤدى أى تغيُّر فى المناخ الشامل إلى تأثُّر الزراعات المحلية، وبالتالى تقلُّص المخزون الغذائى، سنعانى فجوات فى المزروعات، ستتراجع خصوبة التربة وتتفاقم التعرية، فتغيُّر أماكن المزروعات وازدياد الجفاف وتغيُّر أنماط المطر المتساقط سيؤدى إلى التصحُّر، فماذا قدَّمنا؟! وتلقائيًّا سيزداد بشكل غير مباشر استخدام الأسمدة الكيميائية، وبالتالى سيتفاقم التلوث السام، فماذا قدَّمت الحكومة فى ظل الكارثة القادمة التى تعترف بها؟! هل قامت بوضع خطط مستقبلية لتأمين الزراعة فى مصر؟ هل وضعت وزارة الرى تصورًا لتعميم أنظمة الرى الحديثة؟ فليس من المعقول أن تستمر العمليات الزراعية مصر عن طريق الرى بالغمر، ونحن نعانى من التغييرات المناخية!
ليست المسألة استعراض معلومات، إذا كانت الحكومة غرقت فى شبر ميَّة، فهل بهذا الأداء يمكن أن تواجه تغييرات المناخ الحادة؟!
يا سادة يا محترمين، يجب أن نكون جميعًا على قدر من المسؤولية، حكومة تخطط وتنفذ صح وشعب يتعاون، فالمسالة مسألة وطن وشعب، وليست حكومة ورئيس، المسألة هى المسؤولية تجاه المواطنين لا قهر الناس، المسألة مدى استخدامنا التخطيط السليم والتنفيذ الصحيح لا التبرير المسكت للألسنة.
إن الأمطار الأخيرة كشفتنا ووضعتنا أمام أنفسنا، فإما نلتحق بركب الدول المحترمة ونتخلص من ميراث العشوائية وإما نظل نبرر للحكومة حتى يطوينا النسيان.. الخيار لنا، والله المستعان.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.