لا تدعوا ضجيج القمة الكورية يخدعكم.. لقد سبق وكنا هنا

ماكس بووت



لا تدعوا ضجيج القمة الكورية يخدعكم.. لقد سبق وكنا هنا



ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

لقد أُشيدَ بالاجتماع بين قائدَى كوريا الشمالية والجنوبية على اعتبار أنه «تاريخى». وقد تعانق القائدان، وبابتسامات عريضة تصافحا بحيوية، وشُرب نخب الآخر كؤوسًا من الشمبانيا. وأشار المراسلون إلى أن الشكليات الافتتاحية بدَت مرتاحة على نحو مفاجئ، متخطيةً بذلك توقعات الكثيرين، بمَن فيهم -ربما- أصحاب الشأن أنفسهم، فقد قال قائد كوريا الجنوبية: «يجب أن نتقدم معًا فى مسار التصالح والتعاون»، ورد زعيم كوريا الشمالية قائلًا: «لن يخيب أملك».
هل يبدو هذا مألوفًا؟ ينبغى أن يكون مألوفًا؛ لأن التغطية الإخبارية لاجتماع عام ٢٠٠٠ بين الرئيس الكورى الجنوبى كيم داى جونج والزعيم الكورى الشمالى كيم جونج إل، فى بيونج يانج، تماثل نشوة اجتماع الجمعة فى بانمنجوم بين مون جاى إن وكيم جونج أون، ابن كيم جونج إل. فى الواقع أسفر اجتماع عام ٢٠٠٠ عن نتائج ملموسة أكثر، فلم يقتصر الأمر على إعلانات عن انتهاء الحرب الكورية وتوحيد البلدين فحسب، بل تضمن أيضًا خطوات صلبة نحو خلق منطقة صناعية كورية جنوبية/ شمالية مشتركة فى كايسونج، والسماح للسائحين الكوريين الجنوبيين بزيارة الشمال وتوحيد العائلات التى طالما فرقتها المنطقة منزوعة السلاح. وبين ١٩٩٨ و٢٠٠٨ قدمت كوريا الجنوبية نحو ٨ مليارات دولار مساعدات اقتصادية لكوريا الشمالية على أمل أن كل هذه المساعدات ستخلق نظامًا أكثر كرمًا ولطفًا، وفاز كيم داى جونج بجائزة نوبل للسلام عام ٢٠٠٠ لجهوده.
ومع ذلك يحكم الآن بالفشل على سياسة الشمس المشرقة التى بشر بها آنذاك على نطاق واسع، وعلى الرغم من وعود كوريا الشمالية فلن يفعل ذلك شيئًا لتخفيف قمعها لشعبها أو لإنهاء برامجها النووية والصاروخية، وتبين أن كيم داى جونج حقق قمة ٢٠٠٠ التاريخية بتقديمه رشوة ٥٠٠ مليون دولار لكيم جونج إل. وعقدت قمة أخرى عام ٢٠٠٧، رتب لها مون جاى إن، الذى كان حينها مساعدًا للرئيس روه مو هيون، وأُشيدَ بها بحماس وسرور، ولكن فى العام التالى وصلت حكومة محافظة إلى السلطة فى صول، وأنهت سياسة الشمس المشرقة.
ويجدر بنا أن نُبقى هذا التاريخ الخطير فى أذهاننا قبل تحمسنا للقمة الكورية/ الكورية. نعم، من الجيد أن القائدين الكوريين يتقابلان ويتحدثان، وهذا بالتأكيد أفضل من التلاسن الذى رأيناه العام الماضى بينما اختبرت كوريا الشمالية أسلحة نووية وصواريخ، ورد الرئيس ترامب بالتهديد بإمطارهم بـ«النار والغضب».
ولكن، لا تدعونا نتخيل أن مون جاى إن وكيم جونج أون يحققان تقدمات «تاريخية» بإعلان قمتهما، إذ تتخللها لغة رفيعة لكن خاوية، تعِد بـ«لا مزيد من الحرب فى شبه الجزيرة الكورية». واتفق القائدان على تحويل المنطقة منزوعة السلاح -وهى فى الواقع واحدة من أكثر مناطق العالم تسليحًا- إلى «منطقة سلام»، وعلى إنهاء الحرب الكورية بـ«نظام سلام متين»، وحتى تعهدا بـ«شبه جزيرة كورية خالية من السلاح النووى».. إلى آخره.
وبفحص أقرب يتبين أنه ما من محتوى كثير هنا، وبالتأكيد ما من شىء يبرر تغريدة ترامب المبالغة: «الحرب الكورية ستنتهى! ينبغى أن تفخر الولايات المتحدة وكل مواطنيها العظماء بما يحدث الآن فى كوريا!».
ولا تملك الكوريتان سلطة عقد اتفاقية سلام؛ لأن كوريا الجنوبية لم تكن طرفًا فى هدنة عام ١٩٥٣، فقد كان اتفاقًا بين الولايات المتحدة (نيابةً عن قيادة الأمم المتحدة) والصين وكوريا الشمالية، وإذا كانت هناك اتفاقية سلام فستتضمن تلك القوى وليس كوريا الجنوبية فحسب.
وسيرحب كيم باتفاقية سلام إذا كانت ستسرع من مغادرة القوات الأمريكية، ولكنه سيحاول التعامل مع الولايات المتحدة مباشرةً، ولن يرغب فى الاعتراف رسميًّا بكوريا الجنوبية كدولة مستقلة؛ لأن القيام بذلك سيجبره على الارتداد عن ٧٠ عامًا من دعاية النظام وترويجه أن عائلة كيم مُقدَّر لها حكم شبه الجزيرة بأكملها نيابةً عن «العمال» الكوريين.
وكما أشار نيكولاس إيبرستادت فى «نيويورك تايمز»: «إن القرار من شأنه التشكيك فى لماذا بالضبط ينبغى أن تحتفظ كوريا الشمالية بالسلطة أصلًا، وسيكون مهددًا للنظام.. خطأ بحجم سلسلة أخطاء الرئيس ميخائيل جورباتشوف التى دمرت الاتحاد السوفييتى». وعلى نحو مماثل، وعلى الرغم من الثرثرة الخاوية عن «نزع السلاح النووى»، ليس لدى كيم جون أون أى نية للتخلى عن ترسانته النووية التى يرى أنها الضامن لبقاء نظامه.. وبالتأكيد لبقائه الشخصى.
لا يوجد سبب لاعتقاد أن كيم جورباتشوف آخر إصلاحى ليبرالى حقيقى حدث أنه صعد إلى قمة نظام شمولى. إن انتهاكات حقوق الإنسان فى كوريا الشمالية فى أسوأ حالاتها، وهى الحقيقة التى سلطت الضوء عليها وفاة الطالب الأمريكى أوتو وارمبير بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه من قبضة كوريا الشمالية. إن البرامج النووية والصاروخية الكورية الشمالية أكثر تطورًا من أى وقت مضى. ولم يولد كيم من جديد كداعية ليبرالى للسلام، فهو يسلك سياسة عائلية قديمة تمزج بين الاستفزازات؛ مثل اختبارات الصواريخ، وهجمات سلام مصممة لإقناع الغرب بتخفيف العقوبات وإلقاء حبل نجاة لنظامه البغيض. وسيكون من الحكمة أن لا تخدعنا مناورته مجددًا.

----

 

ماكس بووت
كاتب العمود بالجريدة وزميل دراسات الأمن القومى بمجلس العلاقات الخارجية، ومحلل الشؤون العالمية فى قناة «سى. إن. إن».



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.