الأرض لو عطشانة.. نعطشها أكتر وماله!

طارق أبو السعد



الأرض لو عطشانة.. نعطشها أكتر وماله!



قرار الدولة بخفض المساحة المسموح بها لزراعة الأرز لهذا العام هو قرار متسرع وغير مدروس، ويسبب ضررًا أكثر مما يجلب نفعًا. مصر كانت تزرع مليونًا وثمانمئة ألف فدان أرز، وتم تخفيضها فى فترة الجفاف الإفريقى، فى الفترة من 1992 حتى 1998، إلى مليون و100 فدان، واليوم تقرر تخفيض المساحة إلى 724 ألف فدان، بنسبة انخفاض 34%، بمساحة تصل إلى 376 ألف فدان. هذا التخفيض قد يكون مبرره منطقيًّا شكلًا لكن مضمونه به مغالطة كبيرة، فكانت مبررات اللجنة أن تخفيض المساحة للحفاظ على كميات المياه الصالحة للشرب، للمواطنين ولعمليات زراعية أخرى، وتحجج البعض منهم بأن عملية زراعة الأرز تكلف الدولة مائيًّا قرابة 14 مليار متر مكعب فى العام الواحد، فى حين أن نصيب مصر من مياه النيل فى العام الواحد تقريبًا 79 مليار متر مكعب، سمحت اللجنة أيضًا لست محافظات فقط بالزراعة، وعلى الرغم من أن اللجنة التى اتخذت هذا القرار أعضاؤها من وزارات الرى والموارد المائية والزراعة والتنمية المحلية وعدد من الجهات الأخرى، وهم يعلمون حقيقة الاستهلاك المائى، فإنهم زعموا أن استهلاك كل من المواطن والعملية الزراعية للمياه ربما لا تتمكن الدولة من توفيره. هذه التبريرات غير مقبولة وواهية، لأن الحقيقة غير ذلك، فالأرز لا يستهلك كل هذه المياه المُبالَغ فيها، الأرز يحتاج إلى أرض رطبة وباقى المياه تستخدم فى زراعات أخرى، كما أن الأرض التى تُزرع أرزًا لا تزرع فى الغالب محاصيل أخرى، وبالتالى حرمانها من محصولها النقدى الأساسى سيسبب مشكلات اقتصادية قادمة، كما أن هذه الأرض لها طبيعة خاصة، خصوصًا الأراضى التى تقع فى منطقة دلتا مصر، إذ إنها بقعة قريبة من البحر المتوسط ومياهه المالحة، الأمر الذى يستوجب معادلة الملوحة فى التربة لوقف عمليات بوار الأراضى، ما يعنى أن كمية المياه التى تستخدم فى زراعة الأرز لها مهمة أخرى وهى تجهيز الأرض وتقليل نسبة الملوحة فيها، ومن الضرورى الاهتمام بأراضى الدلتا لأنها ببساطة تنتج 72% من الحاصلات المصرية، يعنى زراعة الأرز لها فائدة من كل ناحية، خصوصًا أن المحاصيل الأخرى التى ستزرع محل الأرز تستهلك تقريبًا نفس كمية المياه، ولا تقوم بغسيل التربة، ثانيًا هذا القرار لم يفكر مُتخذه فى مصير المزارعين الممنوعين من الزراعة، لأنهم لم يضعوا أى استراتيجية للتخطيط الاقتصادى والزراعى، فهل انتبه المسؤولون إلى أن الإنتاج الفعلى من هذه المساحة المحددة لزراعة المحصول لن يكفى بالتأكيد للاستهلاك المحلى؟ فمعدل استهلاك المواطن المصرى للأرز يصل إلى 40 كجم سنويًّا، وهو أقل من المعدل العالمى المقدر بنحو 65 كجم فى العام، وتنتج مصر فى المتوسط نحو 5.5 مليون طن أرز سنويًّا، وبالتالى سيقل الإنتاج، وهو ما سيتطلب تعويضه بالاستيراد من الخارج، أى تكلفة مالية عالية مرهقة للاقتصاد المصرى وللمواطن البسيط، وإذا قامت الدولة بسد العجز الناتج عن عدم زراعة المساحة الكلية للأرز، فسيكون بالاستيراد، أى أن أموالنا بدلًا من أن تذهب للمزارع المصرى، ستذهب إلى جيوب المزارعين فى جنوب شرق آسيا. ثالثًا، وهو الأهم، المشكلة قديمة ومنذ سنوات، وقد بحّ صوتنا ونحن نؤكد أن على وزارتَى الزراعة والرى اعتماد استراتيجية حقيقية تمنع دخول مصر مرحلة الفقر المائى، لكننا -للأسف- نقدس العشوائية، فأزمة نقص المياه مشكلة قديمة ومتفاقمة، فجرها سد النهضة لا أكثر، مشكلة الدولة فى المياه وفى الزراعة تبدأ من تحطيم قدرات المنتج الزراعى المباشر، خصوصًا فى الأراضى القديمة الخصبة، سواء فى الوادى أو فى الدلتا؛ لهذا لم يفكر أى من المسؤولين فى أن نبدأ بتجهيز المزارعين فكريًّا وماليًّا للخيارات الزراعية الجديدة، ولم توفر الدولة المهندسين الزراعيين الذين يدلون الفلاح المصرى على أفضل طرق لتجهيز الأرض، وغاب الإرشاد الزراعى بتسويق أصناف جديدة ليست شرهة للمياه لدى المزارعين؛ مثل الأرز الجاف «عرابى 1،2،3،4» أو «سخا 108»، الذى لا يستهلك كل هذه المياه، ويمكن زراعة مليون ونصف المليون فدان بالمياه التى ستُزرع بها السبعمئة ألف فدان، يعنى إنتاجية مضاعفة، أو التوسع فى زراعة الأرز بطريقة الشتل على صوانٍ، لما له من فائدة كبيرة لصالح عملية الرى، إذ إن الفدان الواحد الذى يزرع من هذه الشتلات، لا يستخدم كميات المياه الكبيرة جدا التى يستخدمها الأرز بزراعته بشكله التقليدى، فالفدان الواحد المزروع بالشتلات يوفر ما يزيد على 25% من المياه عن الفدان التقليدى، وهى شتلات زراعة مصرية قصيرة الحبوب، متوسط إنتاجية الفدان 4 أطنان، قصير الساق، يحتاج إلى 125 يومًا من الزراعة حتى الحصاد، ما يؤدى إلى توفير مياه الرى مقارنةً بالأصناف القديمة. كل هذا متاح وتحت أيدى المسؤولين، لكنهم لا يقدمونه للمُزارع، ما يجعل المرء يصاب بالجنون، فإذا كانت الحلول متاحة ولا تكلفنا اقتصاديًّا، فلماذا نتركها ونلجأ إلى الاختيار الأسوأ؟ لا أعلم وأظن أنه لا أحد يعلم فى مصر كلها لماذا القرارات دائمًا ضد المواطن المصرى؟ لماذا كل خيارات المسؤولين تسير فى اتجاه خلق أزمة لدى المواطنين وجَعل حياتهم صعبة؟ هل المطلوب أن يكفر المواطن بالدولة والوطن؟! ما مبرر المسؤولين لعدم اختيار نوعية الأرز الجاف رغم أن التجارب التى أجرتها وزارة الزراعة فى أكثر من محافظة أثبتت أنه منتج زراعى ممتاز وغير مُكلّف ويصلح فى حالتنا وينجينا من دخول مرحلة الفقر المائى؟ إن كل الإجراءات الحكومية المصرية الأخيرة تدفعنا إلى دخول مرحلة الفقر المائى التى سنواجهها حتمًا. يا سادة يا محترمين، إن حصول الفرد (أى فرد) على ما دون 1000 متر مكعب من المياه سنويًّا يعد فقرًا مائيًّا، ووفق المعدلات العالمية يحصل المواطن المصرى على 600 متر مكعب فقط، أى أننا متجهون إلى ما هو أسوأ، وللأسف، الحكومة لا تملك إلا العصا الغليظة للناس، ومثال ذلك القانون الذى يعد فى البرلمان أو مشروع القانون المُقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون الزراعة الذى يمنح وزيرَى الزراعة والرى سلطة إصدار قرار بحظر زراعة بعض الحاصلات حسب استهلاكها للمياه، وكذلك تحديد مناطق لزراعة أصناف معينة. هذا القانون تضمن عقوبة للمخالفين لتلك القرارات تتضمن الحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه ولا تزيد على 20 ألف جنيه عن الفدان أو كسور الفدان، أو بإحدى العقوبتين، والحكم بإزالة المخالفة على نفقة المُدان. هذا ما يجعلنى أتوجس، ففى ظل عدم وعى المواطنين وعدم وجود استراتيجية صحيحة وسليمة، وفى ظل إجراءات غاشمة لا يمكن أن نتخيل إلا الشرطة وهى تجرف الأرض الزراعية، والمواطن يقف لا حول له ولا قوة، أو سيقاوم وستصبح مقتلة. ماذا لو أن الحكومة استمعت إلى رأى الخبراء، واستعدت من فترة كافية ونشرت وعيًا زراعيًّا؟ ماذا لو أنها وظفت معهد الأبحاث الزراعية بصدق وتعاونت مع الباحثين فى كليات الزراعة لمواجهة الخطر الذى لم يعد محتمَلًا؟ صدقونى، العصا الغليظة مع الفلاح خطر، يبدو أن علينا أن نستعد للأسوأ القادم، لأن سد النهضة بإثيوبيا لن ينهار بصاعقة من السماء، ولأن الأرض عطشانة، والماء حولنا، والفلاح ممنوع من الزراعة، انتبهوا أيها السادة.



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...