سيناريوهات ما بعد سد النهضة.. هل الحكومة مستعدَّة؟!




سيناريوهات ما بعد سد النهضة.. هل الحكومة مستعدَّة؟!



فى شهر فبراير الماضى، قال وزير الرى محمد عبد العاطى، على هامش مؤتمر تحت عنوان «مصر تستطيع بأبناء النيل»، إن الحكومة ستعمل على ترشيد استهلاك المياه فى الزراعة والحد من زراعة الأرز، واتباع طرق الرى الحديث، كما أن هناك خطة لتحلية مياه البحر، بجانب إنشاء سدود لحجز مياه الأمطار، مؤكدًا أن الدولة تعد خطة على مدى ٢٠ عامًا، بتكلفة ٩٠٠ مليار جنيه «…»، لتحقيق الطموح المصرى فى الأمن المائى، التى تعد مسألة أمن قومى بالنسبة لمصر، تلك كانت تصريحاته، وتلك هى المعضلة!

تبقى سلسلة التصريحات الحكومية غير المدروسة هى معضلة هذه الحكومة والحكومات التى سبقتها، ما دام اختيار الوزراء ورؤسائهم، فى مصر، يتم دون معايير وسياسات، فالوزير عبد العاطى لا يجد حرجًا فى إطلاق أى تصريحات والسلام هنا وهناك، بل إنه لا يجد حرجًا فى تأكيد أمور هو نفسه ليس متأكدًا منها ولا يمتلك «داتا» معلوماتية وبيانية لها، فهو يتكلم عن طرق الرى الحديث، وهو يتكلم عن منع زراعة الأرز، وهو يتكلم عن خطط لتحلية مياه البحر وكأنه يتكلم عن خطط تغيير «أنتريه» مكتبه، وهو يتكلم عن خطة ذات محاور بتكلفة ٩٠٠ مليار جنيه (هكذا، وليس تريليون جنيه مثلًا!)، وهو يتكلم -ويا للعجب- عن إنشاء سدود لحجز مياه الأمطار، وحكومته غرقت فى شبر ماء فلم تستطع مواجهة زخات أمطار ربيعية هطلت، الأسبوع الماضى، فأغرقت مدنًا جديدة، نسى مؤسسوها إنشاء بلاعات فى شوارعها لتصريف المياه، وفى الوقت الذى كان من المفترض فيه أن يضطلع مركز إدارة الأزمات، التابع لرئيس مجلس الوزراء، بمسؤولياته تجاه تلك الأزمة، إذا به فى سُبات عميق، ما حدا برئيس جهاز الرقابة الإدارية إلى مراجعة تشكيل هذا المركز ومنحه صلاحيات وآليات تتيح له مواجهة الأزمات التى تمر بها البلاد، وما أكثرها!
الأمر هنا جدّ خطير، فرئيس الرقابة الإدارية الذى هو مستقلّ بحكم القانون، هو الذى يتخذ القرار لا رئيس الوزراء، الذى يتبعه مركز إدارة الأزمات، وموظفوه الذين يتقاضون رواتب وحوافز وبدلات وخلافه، لكنه كما لو كان غير موجود، ولا أدرى كيف يكون ثمة مركز لإدارة الأزمات فى مصر ولا نرى له وجودًا ولا يحسّ به أحد، على الرغم من أهمية وجود تلك الإدارة، لأنها وبكل بساطة تسخّر كل موارد الدولة لحل الأزمات والتعامل معها وتخطيها، ومحاولة تقليل الآثار السلبية الناجمة عنها قدر الإمكان، بل منعها إن استطاعت ، ولا يقتصر حل الأزمة على الوقت الحالى فقط، وإنما يشمل المديين القريب والبعيد معًا، والحكومة الناجحة هى التى تستفيد من المشكلات، وتحوّل السلبيات إلى إيجابيات للحد من حجم الخسائر المتوقعة، وهذا ما يقودنا إلى التساؤل الأهم حول سيناريوهات الحكومة لما بعد سدّ النهضة، فهل ثمة استعداد ودراسات مستقبلية لتقليل سلبيات إنشاء هذا السد، الذى بات حقيقة واقعة ينبغى التعاطى معها بواقعية تامة، ولا سيما بعد تكرار فشل مفاوضات مصر مع كل من إثيوبيا والسودان، واستمرار تعنُّتهما واتفاقهما على تبادُل المصالح المشترَكة بينهما، دون النظر إلى أمن مصر المائى الذى بات مهددًا بمجرد بَدء إثيوبيا، بشكل منفرد، ملء وتخزين المياه (نحو 74 مليار متر مكعب) خلف جسم السدّ خلال هذا العام؟ فهل استعدّت الدولة المصرية لسيناريوهات ما بعد سد النهضة؟! بمعنى آخر، هل تطَّلِع وزارة الخارجية المصرية، يوميًّا، على الصحف الإثيوبية؟ وهل ثمّة دراسات قرأتها الحكومة حول مخاطر سد النهضة؟! هل يمتلك وزير الرى، ذو التصريحات المتناقضة، خطة محكَمة واقعية لمواجهة انهيار نظام الرى المصرى فى أعقاب تشغيل هذا السد؟ هل تملك وزارة الخارجية -مثلًا- غرفة عمليات تطالع، يوميًّا، الصحف الإثيوبية، وردود الأفعال هنالك؟!
عشرات الأسئلة تدور فى أذهان المصريين، الذين يتطلعون إلى حل تلك الأزمة بما لا يضر بمستقبل وأمن البلد المائى، بعد فشل المفاوِض المصرى فى الوصول إلى صيغة مناسبة تحافظ على حقوق مصر التاريخية الطبيعية (55.5 مليار متر مكعب) فى مياه النيل، بل استطاعت إثيوبيا أن تفرض الأمر الواقع على مصر من خلال مواصفات فنية للسد لم تتراجع عنها منذ بداية إعلان إنشاء السد، وهو بالفعل أمر واقع مهما حاولت الحكومة تجميله والتقليل من شأنه، وإلا لما اعترف وزير الرى بأن مصر ستتأثَّر سلبيًّا من بناء سد النهضة، وستتأثر حصتها من المياه عقب البدء فى ملء خزان السد!
تحاول الحكومة أن تطمئن الشعب بأنها تمتلك سيناريوهات للتعاطى مع أزمة السد، وأن لديها مشاريع لتعويض الخسائر المتوقعة لحصتنا من المياه، مثل مشروع قناة جونجلى، ومشروع نهر الكونغو، وهى لا تدرك أن تلك المشروعات يستحيل تنفيذها، فمشروع قناة جونجلى لابد فيه من موافقة الحكومة السودانية التى يحتدم خلافنا معها ويتجدد كل حين بسبب النزاع حول مثلث حلايب وشلاتين، ومشروع نهر الكونغو تكلفته باهظة للغاية، ولا تستطيع مصر تغطية تكاليفه حاليًّا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة والديون الكثيرة التى تكبلها، ما يعنى أن تصريحات حكومة شريف ما هى إلا لتسكين الرأى العام وترحيل مشكلة سد النهضة ترحيلًا زمنيًّا إلى أن يحلها الحلّال، وليست تصريحات محكمة قائمة على دراسات علمية واقتصادية جادَّة!
تحاول الدولة، حاليًّا، التحكم فى نفسية المواطنين الذين يخشون أزمة سد النهضة وسلبياتها الكارثية عليهم وعلى مستقبل وطنهم، وتحاول كذلك منحهم الثقة بالنفس وطمأنتهم، وهذه بالفعل إحدى مهام إدارة الأزمات، لكنها لا تطبّق أية مهمة أخرى منها، فلا هى تحاول إيجاد حلول وَفقًا لطرق علميَّة مدروسة، ولا هى تفرض السيطرة على ما يواجهها من مشكلات وأزمات التفاوض مع الجانب الإثيوبى، وتحليلها ودراستها مليًّا، والحدّ من آثارها السلبية قدر الإمكان، فقط، هى تلجأ إلى التصريحات المتناقضة غير الواقعية، وتقوم بترحيل الأزمة والمشكلة حتى يفرجها ربنا!
لم تستطِع الدولة، حتى الآن، إقناع العالَم بعدالة موقفها من سد النهضة، بل إنها لم تستطع، حتى الآن، إقناع المواطنين بإدارتها الأزمة برمّتها!



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...