قرارات ترامب فى مايو التى قد تزيد المنطقة اشتعالًا

حسام مؤنس



قرارات ترامب فى مايو التى قد تزيد المنطقة اشتعالًا



يشهد شهر مايو الجارى قرارات بالغة الأهمية لإدارة دونالد ترامب سوف يكون لها آثارها دون شك على الأوضاع فى المنطقة، فى ما يتعلق بملفى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وافتتاحها منتصف الشهر الجارى بالتزامن مع ذكرى النكبة الفلسطينية وتأسيس دولة الاحتلال الصهيونى، وهو الحدث الذى ألمح ترامب مؤخرا فى تصريحاته إلى احتمال مشاركته شخصيا فيه، بينما سيكون قبلها بأيام قليلة قد حسم قراره بخصوص الاتفاق النووى مع إيران الذى تشير معطيات عديدة لانسحاب الولايات المتحدة منه وإعادة فرض العقوبات على إيران، وهو الموقف الذى يبدو أن كلا من الرئيسين الفرنسى ماكرون والألمانية ميركل قد فشلا فى تغييره فى أثناء لقاءاتهما الأخيرة مع ترامب فى البيت الأبيض.

ورغم أن قرار افتتاح السفارة الأمريكية الجديدة بالقدس ليس جديدا منذ الإعلان عنه قبل شهور تنفيذا لقرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى، فإن ردود الفعل الغاضبة إزاء القرار لا تزال متواصلة حتى الآن على الأقل على مستوى الداخل الفلسطينى، لذا فإن إشارة ترامب لاحتمالات مشاركته شخصيا تمثل نوعا جديدا من التصعيد وتعقيد الأزمة أكثر فأكثر، وهو ما قد يراه البعض ليس فقط نوعا من تأكيد إصراره على القرار وترسيخ دعمه المطلق لإسرائيل وحكومة نتنياهو، بل أيضا رسالة إلى السلطة الفلسطينية وموقفها ضد الولايات المتحدة منذ قرار ترامب بخصوص القدس، بفرض الأمر الواقع حتى النهاية، وهو ما قد يمكن تفسيره فى سياق تقارير تحدثت مؤخرا عن رفض جديد من السلطة الفلسطينية لتعديل بعض بنود ما يسمى بصفقة القرن فى ما يتعلق بتأجيل مفاوضات وضع القدس لمراحل تالية وعدم تضمينها ضمن بنود الصفقة، وهو الرفض الذى جاء رغم ضغوط بعض الأطراف العربية بالقبول بذلك المدخل تمهيدا للإعلان عن بنود صفقة القرن وبدء ماراثون هزلى جديد من المفاوضات، التى يبدو أنها سوف تعطل وتؤجل لوقت لاحق قد يطول مع اتجاه إدارة ترامب لتأجيل إعلان صفقة القرن فى ظل الموقف الفلسطينى الراهن.
زيارة ترامب إذا تمت قد تصعد أيضا من مستوى الاحتجاجات والمواجهات الشعبية الفلسطينية مع قوات الاحتلال الصهيونى، ليس فقط على مستوى غزة التى تتواصل على الحدود الفاصلة بينها وبين الأراضى المحتلة المواجهات على مدار الأسابيع الماضية بسبب مسيرات العودة، لكنها قد تنتقل أيضا إلى داخل الأراضى المحتلة نفسها، وهو أمر متوقع فى كل الأحوال سواء قام ترامب بزيارته أو اكتفى بحضور مسؤولين من إدارته. لكن على المستوى السياسى أيضا فإن حضور ترامب قد يمثل رسالة بالغة الاستهانة بالمواقف العربية الرسمية التى رغم ضعفها ورغم ما قد يكون دائرا فى الغرف المغلقة واللقاءات والاتصالات غير المعلنة فإنها تمسكت برفض قرار ترامب بنقل السفارة ومع ذلك يأتى تلميحه للمشاركة بنفسه فى افتتاحها بمثابة استهانة جديدة للمتحالفين معه والمراهنين عليه.
لكن فى المقابل فإن توجه ترامب نحو الانسحاب من الاتفاق النووى مع إيران ورغم ما قد يمثله من تصعيد للوضع السياسى فى المنطقة، وتعقيد للكثير من المسارات المرتبطة بمواقع النفوذ الإيرانى سواء فى سوريا أو اليمن أو غيرها، فإن ذلك قد يكون بمثابة الترضية المناسبة لحلفاء ترامب من دول المنطقة وبالذات فى الخليج، وفى نفس الوقت فرصة للاستجابة لمطالب ترامب التى تزايدت نبرتها فى الآونة الأخيرة بالحديث عن ضرورة دفع حلفاء أمريكا لثمن دفاعها عنهم وحمايتها لهم، وهو ما يعنى المزيد من الاستثمارات فى الولايات المتحدة والمزيد من الصفقات التجارية والعسكرية التى تدعم الاقتصاد الأمريكى فى مقابل استمرار الحضور الأمريكى فى المنطقة سياسيا وعسكريا.
وبينما يبدو هناك قدر من تراجع ترامب عن خطته لانسحاب القوات الأمريكية من سوريا فى ضوء التصريحات الأخيرة للبنتاجون بالذات بعد الضربة العسكرية التى قامت بها واشنطن ولندن وباريس، بالإضافة للضغوط الفرنسية على ترامب فى هذا الشأن، فإنه فى المقابل فإن هذه الضغوط تبدو فاشلة فى إقناع ترامب بأى حلول وسط بديلة عن تعديل الاتفاق النووى مع إيران، وهى الضغوط التى يبدو أن كلا من ماكرون وميركل فشلا فيها فى ظل تأكيد ترامب على موقفه من الاتفاق فى مؤتمريه الصحفيين مع كليهما، واضطرار ماكرون وميركل فى الوقت نفسه لتصعيد لهجة تصريحاتهما ضد إيران رغم حرصهما على التمسك بالاتفاق الحالى، ليصبح الجميع فى انتظار يوم 12 مايو المقبل والذى سيكون نهاية المهلة الزمنية التى حددها ترامب فى ما يتعلق بموقفه من الاتفاق النووى الإيرانى، خصوصا أنه ليس من المتوقع أن تشهد تلك الفترة القصيرة أى نجاح للجهود الأوروبية فى تعديل موقف ترامب من ناحية، أو الضغط على إيران من ناحية أخرى للقبول بأى تعديلات أو اتفاقات تكميلية تضاف للاتفاق، بالذات مع لجوء قادة إيران بدورهم بدءا من المرشد ومرورا بالرئيس حسن روحانى وحتى وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى تصعيد لهجتهم أيضا إزاء نوايا ترامب بالانسحاب من الاتفاق، ليصبح التساؤل ممتدا لمصير الاتفاق نفسه فى حال انسحاب أمريكا منه خصوصا أن إيران قد تقوم هى الأخرى بالانسحاب منه وهو ما سوف يستدعى ردود فعل أوروبية كذلك فى حال انهيار الاتفاق تماما.
ورغم ما قد تمثله هذه التطورات المحتملة من تصعيد للتأزم السياسى القائم فى المنطقة، فضلا عما قد يمثله أيضا من إضرار بالوضع الاقتصادى فى إيران الذى لم يكن قد تعافى بالكامل بعد بدء رفع العقوبات تدريجيا عنها منذ توقيع الاتفاق النووى، فإن الآثار السلبية قد تطول الجميع فعليا حتى هؤلاء الذين قد يبدون فرحين ومهللين لقرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق، ويتصورون أن ذلك طريق للضغط على إيران لتحجيم نفوذها ودورها، بينما يبدو الأقرب للواقع هو المزيد من التشدد الإيرانى والمزيد من توسيع دورها فى المنطقة وملفاتها ردا على مواقف ترامب وحلفائه، بينما يبدو المستفيد الوحيد فعليا من كل ما يجرى، سواء على مستوى قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أو الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى الإيرانى، هو الكيان الصهيونى، الذين يحدثنا القادة والحكام العرب عن أن الأوضاع تغيرت والأمور اختلفت وصارت ثقافة السلام هى السائدة معهم وأنهم صاروا حلفاء وأصدقاء لنا، وأن الحديث عن كونهم عدوا صار من الماضى الذى ولى وانتهى!



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...