وهم عودة الخلافة والأمانى الساذجة

طارق أبو السعد



وهم عودة الخلافة والأمانى الساذجة



لدى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين أوهام عديدة، إلا أن أشهرها هو حتمية عودة الخلافة، فالخلافة فى ذهنية التيارات الفكرية الإسلامية الحديثة الحالية والمعاصرة، هى إقامة منصب الخليفة بالكيفية التى تناقلتها كتب التراث، وهى ذات الصورة النقية الطاهرة التى تم بثها فى وجدان وعقول المسلمين، على أنها الأمل فى تحقيق العدل الضائع.


بل هذا الوهم هو تجسيد لمعانى الأمانى الساذجة، التى تستمد من منطقة عاطفية جدا، هذه العاطفة ترنو إلى تطبيق العدل والعيش الكريم، ولم تجد هذه الأمانى الساذجة «وليست الكاذبة» بيئة تنمو فيها إلا البيئة الدينية، حيث قام الوعاظ والخطباء والدعاة فى خطابهم إلى البسطاء بالترحم على الزمن الجميل الذى ساد فيه العدل على يد الآباء المؤسسين، من أجيال الصحابة وأبنائهم التابعيين. وعلى مر الزمن مع تكرار الكبوات الإصلاحية، ومع الشعور الدائم بعدم العدل والحاجة الماسة إلى العدالة الاجتماعية، ومع استمرار الدعاة فى تخدير البسطاء بانتظار عدالة الصحابة، التى مرت فى التاريخ الإنسانى ولن تعود فقد قرروا أنها ستعود ثانية بنفس درجة الصفاء والنقاء التى تركهم عليها الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هنا فقد كونوا فى الضمير الشعبى وهم التجسيد والتجلى للعدل وهم «عودة الخلافة التى ستحقق لهم كل هذا»، وتتضخم الأمانى الساذجة «لا الكاذبة» وتكبر حتى يوقن الناس أن المؤسسة التى حمت العدل والحياة الكريمة للناس هى «منصب الخلافة»، وفقط؟! حتى تمنوا أن تعود ليعود معها الأمن والأمان والحياة الكريمة والمدينة الفاضلة ويعيشوا فى أكبر وهم يعيشه المسلمون إلى الآن، والتى كانت وما زالت تعيش فى وجدان الضمير الشعبى العربى والمسلم على الأخص.


والتيار الإسلامى وفى القلب منه الإخوان المسلمون راهنوا على هذا الوهم المتوغل فى نفوس العامة من المسلمين والمشبوب أملًا فى العدل والرحمة والأمان والحياة الكريمة، لذلك نجد أن لدى البشر هاجسًا دائمًا موجودًا فى النفس البشرية، يكمن أحيانًا، ومرات كثيرة يكشف الهاجس عن نفسه، ويتجلى هذا الظهور مجتمعيا فى صورة أصولية متعددة الأوجه، منها ما يمجد الماضى باعتباره هو الأفضل أو هو الأجمل أو هو المقدس أو هو ما لن ننجب مثله.


هذا الشعور تمت ترجمته فى كثير من الأحيان فى صورة جماعات أصولية ماضوية قد تكون أحزاب أو مدارس أو اتجاهات أو التيارات أو مذاهب، كل حسب الظرف والمعطيات المجتمعية وإمكانية التعبير عن مضمون هذه الهواجس الماضوية مضمون هذه الأوهام.


هنا يجب التفريق بين استخدام مصطلح الخلافة «كمسوغ للحكم وفرض السيطرة والهيمنة» يستخدمه مروجو الفكر الإسلامى من أنصار التيار الإسلامى، وبين الصحابة والتابعين الذين ارتبطت الخلافة بهم كحقبة تاريخية وليست كمصطلح وظيفى، كما يجب أن نفرق بين وهم التيارات الإسلامية واستغلالهم لمصطلح «الخلافة» للتخفى خلفه وبين أحلام وأمنيات ومطالب البسطاء من متلقى المصطلح من أبناء المجتمعات الإسلامية.


وهذا التصور لا يعبر عن الفترة التاريخية بصدق وواقعية، بل يكذب ويتجمل مؤيدو فكرة عودة الخلافة بالزعم أنها هى العودة إلى قيم العدل فى صدر دولة المسلمين، وهم هنا يقعون فى براثن الوهم الشديد، حيث يصور لهم خيالهم أن العصور الأولى كانت تنعم بالعدل المطلق والسعادة الغامرة والحب فى الله المتفانى، والأخلاق الحميدة النقية كما نزلت من الله، أو كما يريدها الله، عز وجل، كما يتوهمون أن الدين حاضر فى نفوس الحكام والرعية معًا وبالتساوى.


لو أن هذه المشاعر تدل على صدق المرحلة:
فإن المجتمع والمفكرين قد سقطوا فى براثن فكرة ماضوية حدثت، ولكن الزمن لا يعود، فكان عليهم أن يعملوا على عودة هذه القيم أولًا، لا عودة المتصفين بالقيم، ففكرة الشخص العادل الذى يأتى ليأمر الناس بالعدل ويقيمه هى فكرة هروبية حتى لا يتحمل قائلها مسؤولية التنفيذ والبحث عن الطريق والسبيل.


وهذه الخيالات وإن كانت غير حقيقية ولا دليل على وجودها إلا أقوال المؤيدين الذين يخبئون أقوال المناهضين، إلا أن واقع الأمر أن المرحلة التأسيسية بعد الرسول الكريم تشهد بهول الأحداث والتى كان الوصول للحكم فيه سببًا كافيًا لإراقة دماء صحابة الرسول أنفسهم بأنفسهم، ومنهم من شهد بدرًا أيضًا.


لا يدرك ذلك الكثير ولكنهم يتمنون أن نحكم بالإسلام أى «بالعدالة والمساواة بهدف الرخاء والراحة والأمان»، من هذا المنطلق ومن تلك الرعية البسيطة الواضحة نسج الإخوان أسطورتهم وهم يدغدغون عواطف الجماهير المتلهفة إلى العدل والأمان والرحمة والمساواة، فراحوا يبشرون بالخلافة، فضمنوا أتباعًا بالتأكيد تهفو قلوبهم إلى هذا المطلب بمفهومهم، فى حين أنهم يدركون تمامًا أن أساليب الحكم لن تعود إلى الخلف، وأن المطالبة بمنصب الخلافة هو فى حقيقة الأمر المطالبة بالوصول إلى الحكم كأى حزب سياسى، ولما كانت فرصة نجاح التعامل مع الجماهير -كحشد الجماهير وتكوين كتلة بشرية حرجة مرتبطة فكريا وتنظيميا- من منطلقات حزبية سياسية، ضئيلة بالنسبة لجماعة تتخذ الدين محركا أساسيا، فكان أن لجأ الإخوان إلى هذا الوهم لنشره فى نفوس المجتمع والشباب، لأن هذا الوهم:
يتيح لهم فرصة للانتشار وضم عناصر جديدة
يعطيهم سلطة دينية غير رسمية يسمح لها بالتمكن من عقل ووجدان الشباب وأسْرهم فى تنظيماتهم
سهولة تكوين منظمات عنيفة تحمل السلاح لتحقيق الهدف النبيل السامى وهو «إقامة الخلافة الإسلامية» والتى من أجلها سيحارب التيار الإسلامى الدنيا أجمع وسيقدم التضحيات فى سبيله، ويكذب ويرخص لنفسه فى ارتكاب المحرمات.


ولو أنك كلفت نفسك وقرأت الكتب التى تشكل وجدان التيار الإسلامى ستجد ما أقول، وعلى سبيل المثال سنجدها فى الكتب التى تكون العقل الإخوانى، فيقول الأستاذ مصطفى مشهور فى كتاب «من فقه الدعوة» ص 350:
«والهدف من سلوك طريق الدعوة هو التمكين لدين الله فى الأرض، بإقامة دولة الإسلام العالمية وعلى رأسها الخلافة الإسلامية، ولا شك أن هذا الهدف يعتبر من أعظم إنجازات يمكن أن تتحقق فى حياة البشر. إننا نسعى لإقامة دولة الإسلام العالمية، تحكم شرع الله وتمكن لدين الله وتتصدى لكل قوى الباطل، وتبلغ دين الله للناس كافة (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)»  البقرة.١٩٣.


من أجل هذا يتخفى الإخوانى خلف مقولة الخلافة، بل والإصرار عليها ليتمكن من تطبيق الآية السابقة مع مخالفيهم باستخدام الآيات القرآنية ولا حول ولا قوة إلا بالله.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...