«هارون الرشيد» أعظم آباء التاريخ الإسلامى وأفشلهم

عصام الزهيري



«هارون الرشيد» أعظم آباء التاريخ الإسلامى وأفشلهم



عاشت شخصية الخليفة العباسى «هارون الرشيد» بكل أوجهها، وتولتها الذاكرة العربية بكل أشكال وألوان التخليد، بدءًا من مدونات التمجيد لدى المؤرخين وانتهاء بخيال ألف ليلة الذهبى المحلق حول مغامراته ومعه «جعفر» الوزير و«مسرور» السياف، لقد كان «الرشيد» بدوره أنقى تجسيد ممكن فى التاريخ العربى كله ليس للنموذج الأبوى الذكورى العادى فقط ولكن لنموذج السلطة الأبوية كلها، هذه السلطة التى كانت فى تاريخنا العربى كله مسؤولة عن خلق وتفريخ آلاف من «الرشيديين» الصغار أو من «سى السيد» الكبار.


كان عصر «هارون الرشيد» أمير المؤمنين أزهى عصور الدولة العباسية، المال يتدفق على الدولة من خراج الأقاليم من كل الجهات، وقد بلغ فى تقدير بعض المؤرخين أربعمئة مليون درهم، أو نحو 18 مليونًا ونصف المليون من الدنانير، وبغداد دار الخلافة على أيامه صارت زهرة المشرق وحاضرة الدنيا، شيدت فيها القصور والنوادى والحانات والدور الفسيحة والبساتين المذهلة والمساجد الفخمة، وبلغت ذروة المجد والحضارة فى كل وجه من وجوه القوة والعلم والفن، وأخذت دولة «الرشيد» كل مظاهر العظمة والبذخ الإمبراطورى، فروى أن موكب الخليفة كان يخرج فى الحفلات الرسمية يتقدمه موكب من حملة الأعلام، ثم فرقة العزف الموسيقى، ثم جماعة الأمراء فوق جياد مُطهَّمة، ويقبل أخيرًا أمير المؤمنين «الرشيد» على جواد أبيض، يتبعه رجال الدولة، وفى نهاية الموكب يأتى بقية الحراس.


ولم يتوقف المؤرخون أمام مظاهر البذخ والسلطان وحدها، ببساطة لأنها مظاهر دنيوية زائلة، لا يمكن أن يرى فيها مسلم عاقل عز الإسلام؛ لأن عز الإسلام – وعز كل دين حق – لا يمكن أن يأتى فى هذه الدنيا ولكن فى الدار الآخرة، لذلك كانت المحطة الأهم التى توقف أمامها مؤرخو هذه الفترة، وهى شخصية «هارون الرشيد» نفسه، توقفوا أمامها طويلًا وقالوا الكثير عن تناقضاتها ووجوهها التى وصلت فى بعض تضاربها إلى غرابة أطوار كاملة.


قال المؤرخون عن «الرشيد» أنه كان عصبى المزاج، سريع الانفعال، حاد العاطفة، قوى الاندفاع، شديد الشعور بالحياة فى جميع مظاهرها، وعظيم الإقبال عليها، غير أنهم قالوا كذلك إنه كان مرهف العاطفة الدينية، عميق الحياة الروحية، مقبلًا على العبادة، وقالوا إنه كان من أغزر الناس دموعًا وقت الموعظة وأشدهم عسفًا وبطشًا وقت الغضب والغلظة.


إنها إذن تلك المواصفات النقية المثالية لرأس السلطة الأبوية الذكورية متناقضة الوجوه، ودعك تمامًا من كل محاولة لتلخيص هذه الشخصية المعقدة فى وجه واحد منها، فليس «الرشيد» هو هذا الخليفة المتفرغ من شؤون الحكم والغارق فى حكايات السحر والحب والجان وأحضان الجوارى ومطاردة العجائب كما يبدو فى قصص «ألف ليلة وليلة»، كما أنه ليس هذا الرجل الذى يحب أن يظهره لك الأصوليون ورعًا عابدًا، حاجًّا صائمًا قائمًا متفرغًا أيضًا من شؤون الحكم لشؤون التعبد والزهادة، على الوجهين ظُلم «أمير المؤمنين» أيما ظلم، وتعرض للمبالغة أيما تعرض، فيذكر «الطبرى» أنه كان يصلى كل يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا وكأنه لم يكن يحكم أكبر إمبراطورية فى عصره، كما تذكر المصادر ما لا يعد من أحاديث غرامياته وولعه بالنساء، وهى غراميات لا تقف عند زوجاته اللواتى يتجاوز عددهن ست زوجات، ولا تقف عند الجوارى أمهات أولاده، وإنما تتعداهن إلى الجوارى اللواتى كان شغوفًا وكان يجمع فى قصره الكثيرات منهن حتى قيل إن عددهن لم يقل عن ألفى جارية!.


من أشهر قصص ورعه دخول «ابن السماك» الزاهد عليه وعظته له عن الموت والآخرة حتى قال له: «يا أمير المؤمنين اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدًا بين يدى الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالث لهما.. جنة أو نار». فيقال إنه بكى وسالت دموعه حتى اخضلت لحيته، وبكى أهل المجلس لبكائه وأشفقوا عليه!.


أما أشهر قصص غرامياته فهى حبه للجوارى الثلاث اللواتى قدمن إليه هدية فى وقت واحد: «سحر»، و«ضياء»، و«خنث»، وينسب إليه شعر قاله فيهن من بينه: «ملك الثلاث الآنسات عنانى / وحللن من قلبى بكل مكان، مالى تطوعنى البرية كلها / وأطيعهن وهن فى عصيانى، ما ذاك إلا أن سلطان الهوى / وبه قوين أعز من سلطانى»!.


ولم تكن نهاية «الرشيد» تختلف كثيرًا عن نهاية «سى السيد»، وهى النهاية المتوقعة للنموذج الأبوى متعدد الوجوه فى حصاد تناقضه المر، فرغم كل هذه الأعمال العظيمة التى يمكن أن يحققها هذا النموذج القوى المتسلط عبر استخدام سلطاته الفردية الواسعة، فإنه لا يملك قرب النهاية إلا أن يشعر فى قرارة نفسه بالفشل وقلة الحيلة، فى محصلة الأمر هو لم يفعل شيئًا ذا بال يخفف عن نفسه عبء تناقضه الذى احترف الحياة به وعبره، سواء تناقض عالمه الداخلى أو عالمه الخارجى، شعر «الرشيد» فى أواخر أيامه بالعجز الشديد أمام المنافسات المتحفزة والصراعات الخفية داخل مملكته، ولم تكن سطوته فى نكبة البرامكة حلًا لها، وهناك ولداه «الأمين والمأمون» يضمر كلاهما النقمة لأخيه، ووراء كل منهما يقف حزب من العرب وحزب من العجم ينتظران نهاية «الرشيد» ليستأنفا صراعهما المكتوم بثقل ظل الخليفة الأبوى الذى فرضه على الجميع.


لذلك يروى أن «الرشيد» فى أواخر أيامه كان وحيدًا حزينًا مستحقًّا للشفقة يخفى علته عن الناس، إذ يؤثر عنه أنه كشف عن بطنه لأحد مقربيه فإذا عليها عصابة من حرير، وقال له: «هذه علة أكتمها عن الناس كلهم وكل واحد من ولدىّ علىّ رقيب وما منهما أحد إلا وهو يحصى أنفاسى ويستطيل دهرى»!.


بكل تأكيد، أثبتت كل النماذج الأبوية عبر التاريخ قدرتها على الكبت والقمع وممارسة تناقضها الضارى المهيمن على حساب كل تناقضات الواقع التى تتطلب حلها وليس قمعها، كما أثبتت فشلها – رغم كل ما يمكن أن تحققه – فى صياغة تغييرات عميقة فى واقعها وبنية مجتمعها، مهما عظم حظها من النجاح السياسى أو من بلوغ الذرى التوسعية.


إنه النموذج الأبوى فى الحكم وفى الحياة الذى يسوقه الأصوليون منذ عقود لنا باعتباره نموذج عزة الإسلام وكرامة المسلمين وعلو كعبهم فى الأرض، ناسين أن الله نفسه وعد اليهود بالعلو فى الأرض علوًا كبيرًا.. علوًا كبيرًا أيها السادة ولا ولم ولن يغنى علو اليهود وسطوتهم وتجبرهم الأبوى العنصرى عنهم من الاستقامة لوجه الله ولفطرة الإنسانية البريئة شيئًا.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..