الرواية التى ألهمت ماركيز واعتبرها بورخيس الرواية اللاتينية الكاملة




الرواية التى ألهمت ماركيز واعتبرها بورخيس الرواية اللاتينية الكاملة



عن «منشورات الجمل» صدرت طبعة جديدة لرواية الأرجنتينى «أدوافو بيوى كاساريس» بعنوان «اختراع موريل» وترجمة أحمد يمانى.

تلك الرواية التى تعد من أهم روايات القرن العشرين، لدرجة وصلت إلى أن يصفها الكاتب الأرجنتينى «خورخى لويس بورخيس» بالرواية الكاملة، وإلهامها كثيرًا من كُتَّاب أمريكا اللاتينية، ومن أهمهم ماركيز.


تطرح الرواية الكثير من التساؤلات وتتوسل الخيال العلمى، وتستفيد من الرواية البوليسية لتطرح مسائل تشغل بال القارئ بقضايا الموت والخلود ومسألة الحرب والوحدة.

رواية الربط بين العالَمين الواقعى والمتخيل، وتأمل الانتقال بينهما عبر نص استباقى تشويقى فى أحداثه.


تدور أحداث الرواية فى جزيرة يلجأ إليها الرجل الهارب من الشرطة، والمحكوم عليه بالسجن المؤبد فى جريمة، بعد أن يقدم له تاجر سجاجيد إيطالى النصح، وقد التقاه فى «كلكتا» بالهند. يقدم الراوى وصفًا للجزيرة منذ لحظة وصوله إليها، ولكل ما فيها من: خضرة وافرة ونباتات، وأعشاب زهور ربيعية وصَيفية وخريفية وشتوية والأشجار المريضة برؤوسها الجافة، وجذوعها شديدة البروز، وكذلك المتحف والكنيسة وحمام السباحة. ويمعن فى وصفه، مدقّقًا فى التفاصيل والمنشآت.


كتبت رواية «اختراع موريل» على شكل يوميات لبطل الرواية، وهوامشها جزء من الحكاية.


تدور أحداثها فى هذه الجزيرة المعزولة التى لا يعرف شيئًا عنها العامة بل عرفها بطل الرواية -الذى ليس له اسم- عن طريق صديقه التاجر، جزيرة يُفترض أنها مهجورة، وكان التحاق هذا الرجل بالجزيرة أشبه بالانفصال عن الحياة الحقيقية، ما يوحى للقارئ بأن هذه الرواية القصيرة كتبت لتمجد حياة العزلة، وكيف يمكن لإنسان أن يتعامل مع العزلة بسخرية مؤلمة فى ظل ظروف خارجة عن السيطرة.


غير أن الوضع فى الجزيرة لا يبقى كما هو، ففجأة يلتقى بمصطافين يظن فى فترة ما أنهم متواطئون مع الشرطة وأنه ملاحق، غير أن من بينهم امرأة تجذبه لمراقبتها، وتبدو تلك الفتاة مثل أمل للروح يحييها، فيقترب منها، يزرع لها حديقة من الورد، ويود لو يركع تحت ركبتيها، لكن الأمر ليس بتلك السهولة، فلا الجزيرة تلك الجزيرة، ولا البشر هم أولئك البشر.


يتيح الكاتب للقارئ أيضًا أن يرى الأمر مجرد هلوسة، رجل محموم ومحكوم بالإعدام، فى قوله: «إن تعبى لهو مرض تقريبًا، فى متناول يدى جنة أن أرقد تحت الأشجار حتى السادسة مساءً، سأرجئ هذا الأمر، لا بد أن سبب هذه الحاجة للكتابة موجود فى الأعصاب. الذريعة أن أفعالى ستقودنى الآن إلى واحدة من ثلاث، إما صحبة المرأة، أو الوحدة، أو الموت الذى قضيت فيه أعوامى الأخيرة، والذى أصبح يديننى للأبد».


الرواية شديدة التعقيد والتكثيف، وصعبة القراءة ومجهدة نوعًا ما؛ لأن الفكرة الرئيسية لها مؤجلة إلى نهايتها، وهو ما يزيد من تعقيدها لدى القارئ العادى، إضافةً إلى أن المؤلف لا يقدم نصه بصوت راوٍ واحد، بل ثمة راوٍ هو البطل الذى يسرد يومياته فى الجزيرة، ثم ناشر مجهول يقدم تعليقات هامشية داخل النص وصلت إلى ثمانية تعليقات، إلى جانب ملاحظة واحدة باسم «موريل»، بالإضافة إلى صوت العالم «موريل».


ناقشت الرواية فكرة الخلود، فى عصر يسجل أصواتنا وأشكالنا وصورنا من خلال التلفاز والراديو، ويزداد هذا التسجيل فى وقتنا لدرجة ربما لم يتصورها «كاساريس» نفسه مع الإنترنت والعوالم الافتراضية، ليمتد هذا التسجيل لأدق لحظات حياتنا بحيث نرجع لهذه اللحظات فى أى وقت شئنا، هل نحن -بمعنى من المعانى- خالدون مع هذا التسجيل؟ أم مجرد صورة؟ هل الصورة هى نحن؟ وهل للصورة وعى وروح؟ وهل الخلود لحظة لا متناهية فى زمن متناهٍ؟


وتستحضر الرواية الخيال العلمى، مستفيدة من منهج الرواية البوليسية، وتطرح مسائل عدة، من بينها الحب والوحدة والموت والخلود. والحال أن إحدى المسائل المهمة فى الرواية، والتى تبدو حاضرة بشكل آنى، وهى إلى جانب وهم الصورة، مسألة العالَمَين: الواقعى والافتراضى.


لغة الرواية فى معظم أجزائها تتوازى مع لغة التقارير، لغة تجعل القارئ يلهث خلف الأفكار المتلاحقة والمُنسابة منها.

فى كل مقطع هناك الجديد دومًا، الرواية تتلاقى مع كثير من روايات أخرى، تنعش الذاكرة ببعض الدراسات الأدبية والنقدية، تذكِّر القارئ بحزمة من الأفلام السينمائية الهامة.


الجدير بالذكر أن رواية «اختراع موريل» ترجمت إلى ما يقرب من 20 لغة، وانتقلت إلى السينما فى فيلم عام 1974 للمخرج الإيطالى «إيمديو غريكو»، كذلك اقتبست عنها أعمال مسرحية وتليفزيونية وسينمائية كثيرة.



أقرأ أيضا