قصة ضياع الشباب العربى فى أوروبا

د.هويدا صالح



قصة ضياع الشباب العربى فى أوروبا



رواية كُتبت بعد انطلاق ثورات الربيع العربى لتصور حياة شاب مغربى انضم للإرهابيين المتشددين، وانتقل للعيش فى أوروبا، وصور حياة الجاليات العربية المسلمة فيها.. إنها رواية «شارع اللصوص» للروائى الفرنسى ماتياس إينار التى صدرت عن «منشورات الجمل» وقامت بترجمتها مارى طوق.

يلقى ماتياس إينار فيها نظرة متأملة فاحصة على المشهد العربى، الذى تجتاحه الحرائق والفوضى التى وصفت بين قوسين بأنها «خَلَّاقة».

ولا يكتفى فقط بكشف صراعات الشرق الأوسط وخصوصًا المنطقة العربية، بل يكشف فيها أيضا الصراعات العالمية على تلك المنطقة المتنازع على بترولها وثروتها والتى هى أكبر سوق لسلاح الأمريكان وأوروبا.
إن الرواية تحكى قصة الشاب المغربى الذى كان مسلما معتدلا يعيش فى طنجة.

تعلم الفرنسية وبعض الإسبانية، ليصبح قارئا للروايات البوليسية، ينتظر سن النضج دون خطايا كبرى اللهم إلا الشعور بالتوق لجارته وقريبته مريم، ومعها سيرتكب الإثم لمرة واحدة لكنها كافية ليضبطا متلبسين بإثمهما، ثم تنهال الضربات على الشاب، ويجد نفسه فى الشارع بلا دين ولا خلق.

ويبدأ عندئذ فى التسكع الذى يقوده بدوره إلى خدمة الموتى، بطرق غير متوقعة، مواجها كوابيسه بالواقع، منشغلا بالحب ومشاريع المنفى.


يكشف الروائى الفرنسى واقع الثورات العربية ومآلاتها، ويرصد مشاهد التطرف والإرهاب المتفاقمة، ويكشف عن المكائد التى تحاك والألاعيب التى يتمّ توريط الأبرياء فيها لخدمة سياسات بعينها.


«شارع اللصوص» التى حازت على جائزة «جونكور - خيار الشرق» عام 2012، تكشف الضياع الذى يلف الشباب العربى فى بلاده وفى المَهجر، الذى يلوذ به معتقدا أنه فراديس فريدة.

يصف مشاهد العبور وفجائع العنف المتواترة، ولقطات حية من وراء ستار الربيع العربى الذى خاله «الأخصر» -بطل الرواية- سبيل الخلاص.


يفكّك إينار من خلال رحلات بطله، منظومات اجتماعية وسياسية واقتصادية فى أكثر من بلد، إذ يكون الأخضر مسباره الذى يستطلع عبره الحراك الدائر والآفاق المتوقّعة.

ينطلق من مدينة طنجة التى تشكّل قبلة لكثير من الكتّاب والأدباء، الذين شغفوا بها فسكنوها وأسكنوها كتاباتهم وأعمالهم، ليجوب العالم الفسيح الذى يضيق به.


يقسّم إينار روايته إلى ثلاثة أقسام: «مضائق»، «البرزخ»، «شارع اللصوص». كل قسم يعبر عن مرحلة فى حياة بطله وعن المنطقة الملتهبة عقب الثورات العربية، والتى أصبحت مستودع بارود متفجّر بتصاعد.


يغوص إينار فى قلب بعض التنظيمات الإسلامية المتشدّدة، ويصف طرق استغلال الشباب فى عمليات تستهدف الأبرياء وتروعهم. كحالة «بسّام» الذى يبدو حائرا متخبطا فى مستنقع الفقر والجهل، ويغدو أداة للعنف بيد مَن يستغلون طيبته واندفاعه وقوّته.


يورد الكاتب بعض الحوادث الحقيقية التى تشكل منعطفات فى تاريخ شخصياته، كتفجير مقهى «أركانة» فى مراكش، الذى أودى بحياة عدد من الأجانب، وكذلك بعض الحوادث المشابهة التى أساءت لصورة المسلمين، جراء تفسيرات مخططيها الخاطئة لروح الإسلام وتعاليمه السمحة.


يعرج على التحركات الاحتجاجية التى شهدتها مدينة برشلونة الإسبانية وغرق أوروبا فى مشكلاتها الاقتصادية، كما يعرض لأساليب اغتيال الأحلام والثورات فى مهدها، وسبل التآمر على الأبرياء وتجريمهم بغية إبقائهم مكبّلين بما هم فيه.

فى النهاية الرواية تدق جرس الإنذار لعالم يتهاوى بين مطرقة الديكتاتوريات المحلية، وتعاظم أخطار العولمة التى تكتسح العالم، والعنف الدينى الأصولى الذى سلب من الدين جوهره، وأبقى للناس العقاب والمحظور.



أقرأ أيضا