ابن تيمية يتّهم الصحابى عبدالله بن عُمَر بالبِدْعة والتشبُّه بأهل الكتاب




 ابن تيمية يتّهم الصحابى عبدالله بن عُمَر بالبِدْعة والتشبُّه بأهل الكتاب



يميل بعضُ الدارسين إلى اعتبار الفتاوَى التى اجتهد فيها ابنُ تيمية «المتوفَّى: 728 هـ» ناطقة بالعصر المضطرب الذى عاش فيه بين وضع داخلى مرتبك، وتهديد خارجى ألقى بظلاله القاتمة على كلّ ذرّة تسامُح عنده؛ فجاءت آراؤه وفتاواه مضطربةً هى الأخرى، متعسّفة فى أحكامها التى تدعو إلى إعمال السيف، وقتل أهل البِدَع وتكفيرهم حتى إنه ليرفضُ توبتهم ويتشدد فى ذلك، ويرى هؤلاء الدارسون أنّ فتاوى ابن تيمية ليست ناطقةً بفكره المتسامح؛ لأنها كانت إجابات عن مسائل آنية اختلطت فيها أوضاعُ المسلمين فى ذلك الزمان، واضطربت أحوالُهم وتضعضعتْ بما يبرّر لابن تيمية أنْ يكون متشددًا غاضبًا مراعاةً لمقتضى الحال وظروف الزمان والمكان، ولعلّ الدكتور يوسف زيدان ممّن ذهب إلى ذلك الرأى وانتصر له فى إحدى ندواته التى دافع فيها عن ابن تيمية واصفًا منتقديه بـ « التافهين»!!


غير أننا لا نستطيع أنْ نُجارى هؤلاء الدارسين فيما ذهبوا إليه لأنّ كتبَ ابن تيمية الأخرى تبين فيها نزعته التكفيرية بجلاء لا يقبل تأويلاً أو تمحُّلا، ولقد نبّهنا فى مقالات سابقة إلى أنّ الشيخ قد وضع قاعدةً كُليّة وهى: «علينا ألا نكفّر أحدًا من أهل القبلة» إلا أنه فى تفصيلات الآراء وتشعّبها لم يلتزم بها لا فى الفتاوى ولا فى كتبه الأخرى كمنهاج السُّنَّة، ومجموع الرسائل والمسائل، وبيان تلبيس الجهمية، واقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم الذى تشدد فيه مع كلّ صاحب بدعة ولو كان صحابيًّا!!


كان عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضى الله عنهما – يتحرّى الصلاة فى البقاع والمواطن التى كان يُصلّى فيها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» اتباعًا لهديه، ومتابعة لفعله «صلى الله عليه وسلم»، حتى إنّه اشتُهر بين الصحابة باتباع آثار النبىّ «صلى الله عليه وسلم» فى منازله، حتى إنّه ليتعاهد شجرةً، كان النبى ينزل تحتها، فيصبّ فى أصلها الماء لكيلا تيبس ولم يصلنا إنكار أحدٍ من الصحابة عليه ذلك، إلا أنّ ابن تيمية رأى فى فعل عبد الله بن عمر بدعة لم يأتِ بها المهاجرون والأنصار، وكذا لم يأت بها الخلفاء الراشدون، فهو يقول: فأما قصدُ الصلاة فى تلك البقاع التى صلى فيها اتفاقًا، فهذا لم يُنقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حُجَّاجًا وعُمَّارًا ومسافرين، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه تحرَّى الصلاة فى مُصليات النبى - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مُستحبًّا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وتحرّى هذا ليس من سُنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابْتُدِع، وقول الصحابى إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟! [ اقتضاء الصراط المستقيم: 2/279 ]


فابنُ تيمية – رحمه الله – يجعل من نفسه ها هنا حَكَمًا على صحابىّ جليل كابن عمر متناسيًا أنّه كان من أشدّ الصحابة حرصًا على الاقتداء بأحاديث رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حتى إنه كان يُخالف أباه عمر بن الخطاب حين يفتى برأيه بعيدًا عن الأحكام التى أقرّها الرسول الكريم، ثم إنه يدّعى أنّ جمهور الصحابة لم يفعل كما فعل ابن عمر وكأنّه قد اطّلع على كلّ أحوالهم، أو كأنه قد عاش بينهم وهم لا يتتبعون المواطن والبقاع التى كان يُصلّى فيها النبى «صلى الله عليه وسلم»، كما أن ابن تيمية يتّهم ابنَ عمر بالابتداع وكأنّه أحرص منه على التوحيد وتنزيه الله عن الشريك، وما أرى ذلك منه سوى تطاول على صحابى جليل لو أن أحدًا فى عصرنا الحالى اتّهمه بمثل ما اتّهمه به ابن تيمية لأخرجه الأزهر والسلفيون الجُدُد من زُمرة المسلمين، ولحكموا عليه بالرّدّة قبل أن يُهدروا دمه!!


ويأبَى ابنُ تيمية فى نهاية كلامه عن ابن عمر إلا أن يقول وَفْق رؤيته ومنهاجه المتشدّد: «أيضا: فإن تحرّى الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبّه بأهل الكتاب ممّا نُهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله»؛ فهو يعتبر أنّ تحرّى ابن عمر – رضى الله عنهما – الصلاة فى المواضع التى صلّى فيها رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تشبّهٌ بأهل الكتاب وذريعةٌ إلى الشِّرك الذى يخشى أنْ ينزلق إليه ذلك الصحابى الجليل والعياذ بالله «..»، وما ذلك إلا لأنّه يقيس حالَ الصحابة بآرائه الفكرية والمذهبية، ولم يُراعِ أنّ ذلك الصحابى عاصر الرسول وروى عنه وخبَر أحواله بخلاف ابن تيمية الذى تتبّع المرويات والنصوص وانتقى منها ما يوافقُ مذهبه ومعارفه.


إننا لا نُخفى أن لابن تيمية جانبًا يغلب عليه طابع الاعتدال، وهذا الجانب يحاول المدافعون عنه استثماره كلّما أرهقتهم النصوص التكفيرية المتشدّدة التى تنطق بها كتب ابن تيمية، الذى لم يُجمِعْ على إمامته جمهور المسلمين كما أجمعوا على أبى حنيفة ومالك والشافعى مع اختلاف فى ابن حنبل، ولن يصمدَ هذا الجانب النحيل إزاء جوانب متعدّدة فى مؤلّفات ابن تيمية الكثيرة التى يسير على هديها طائفة من الغُلاة المتشدّدين ممّن يرمون كلّ مخالفٍ لآراء مدرستهم ومعتقداتها بالبدعة والضلالة لأنهـم اجترّوا آراءه وقدّسوها ثم قالـوا لمن خالفهم: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى آبَائِنَا الأوّلين!!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.