اسـتراتيجية ترامـب الواقعية فـى سوريـا

والتر راسل ميد



اسـتراتيجية ترامـب الواقعية فـى سوريـا



ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «وول ستريت جورنال»

 

بينما خفتت أصداء ضربة الرئيس ترامب الصاروخية السورية الثانية، انتقد الكثير من المتابعين الإدارة لافتقادها استراتيجية متماسكة، وهذا الاتهام به حقيقة ليست بقليلة. إن دراما وفوضوية هذا البيت الأبيض كثير الاختلال لا تشير إلى عمل من أعمال الكاردينال ريشيليو، ولم تكن التغريدات الرئاسية على «تويتر» دائما متماسكة أو متزنة فى موضوع الحرب السورية، ومن الصعب التوفيق بين استنكارات ترامب لبشار الأسد وتحذيراته من العدوانية الإيرانية وبين عزمه الواضح على رحيل القوات الأمريكية من سوريا بأسرع ما يمكن.

وتُظهر السياسة المتشابكة لضربات الأسبوع الماضى الصاروخية التناقضات فى مقاربة ترامب. إن الرئيس واقعى يؤمن أن العلاقات الدولية شديدة التنافس وكذلك صفرية، وإذا هددت إيران وروسيا توازن القوة فى الشرق الأوسط من الضرورى العمل مع أى دولة فى المنطقة ستواجهما بغض النظر عن سجلها فى حقوق الإنسان، والسؤال ليس ما إذا كان هناك مساجين سياسيون فى مصر إنما السؤال هو ما إذا كانت مصر تتشارك فى المصالح الأمريكية عندما يأتى الأمر لمعارضة إيران.
ومع ذلك لم يكن منطق الضربات الصاروخية واقعيا ولكن كان إنسانيا وقانونيا؛ فقد تطلب استخدام سوريا غير الشرعى للأسلحة الكيماوية ضد شعبها الهجمات الغربية أو على الأقل بررها، ويحتاج ترامب، وأى نوع من السياسة الناشطة فى الشرق الأوسط، إلى حلفاء -بما فى ذلك المحافظون الجدد والأمميون الليبراليون فى الداخل والحلفاء الأجانب مثل بريطانيا وفرنسا فى الخارج- وأسلوب الواقعية السياسية الذى يتمنى اتباعه من شأنه إبعادهم.
ومع ذلك، وكما هو الحال كثيرا مع هذه الإدارة غير التقليدية، بدأ ظهور نمط وإن لم يكن استراتيجية بالضبط، وهو نمط يحدده ما يرفضه الرئيس بقدر ما يحدده ما يرغب فى تحقيقه، وتبدو مقاربة الإدارة وكثيرا ما تكون عشوائية ولكن تحت تشدق ترامب ومناظره يبدو أنه يعمل نحو مقاربة للشرق الأوسط تعكس تفاعل السياسة والمصالح الأمريكية بطريقة متماسكة على نحو غريب.
ويبدو ترامب متناقضا على الأقل جزئيا لأن اختياراته غير جذابة للغاية، ويترك تقدم إيران المدعوم من روسيا نحو الهيمنة الإقليمية الولايات المتحدة محاصرة بين مسارين، ويفتح ترك إيران تفعل ما تشاء فى سوريا الباب لمواجهة أشد خطورة بين إسرائيل وشركائها العرب فى جانب وطهران فى الجانب الآخر، ولكن منع إيران من الانتصار فى سوريا سيعنى بشكل شبه مؤكد التزامات عسكرية أمريكية كبرى بالإضافة إلى محاولة ممتدة أخرى لبناء دولة بينما تحاول الولايات المتحدة ترقيع حكومة غير متطرفة قابلة للاستمرار فى دمشق.
ويعزف ترامب عن الخيارين على أرضية سياسية واستراتيجية؛ فالوقوف فى الخلف بينما تدير روسيا وإيران الطاولة فى الشرق الأوسط سيكون استراتيجية سيئة وسياسة سيئة، وكذلك سيكون الاندفاع فى جهود عسكرية وسياسة أخرى على طريقة العراق من أجل استقرار سوريا، إن الهدف هو تجنب الانسحاب دون انغماس.
وربما يصل ترامب دون قصد إلى شكل ما للتوازن الخارجى؛ فبدلا من أن تسعى واشنطن لفرض نظام من تصميمها على منطقة مضطربة ستضمن ببساطة أن لا تنجح أى قوة أخرى ومجموعة قوى فى الهيمنة على الشرق الأوسط، وعندما يبدو توازن القوة فى مأمن تقل الولايات المتحدة فى ظهورها بالمنطقة، ولكن عندما يبدو توازن القوة مهددا كما هو الحال الآن تميل الولايات المتحدة للتقدم وتعمل مع الشركاء الذين يشاركونها مخاوفها لاحتواء طموحات القوى التحريفية، كما يسعى ترامب إلى تعويض من الدول التى تدعم أمريكا استقلالها، وينبغى أن يسهم الحلفاء الأغنياء مثل السعودية والكويت فى الدفع نظير حمايتهم.
وبالنسبة لترامب هذه مقاربة منطقية لمشكلة شائكة، وفى الوقت الذى قد تجعله ضغوطات الأحداث -والجهود الموحدة لمستشاريه- ينحرف فى بعض الأحيان دائما ما تعود بوصلته الداخلية لهذا المسار.
وتحمل مقاربة ترامب نصيبها من المخاطر، ولكن فشلها ليس مؤكدا على الإطلاق؛ فكل من روسيا وإيران مرهقتان وتعانيان من اقتصادات ضعيفة وهياكل تطفلية للدولة، وشعوبهما غير مرغمين على مغامراتهما السورية، وعلى الرغم من الزيادات الأخيرة تظل أسعار البترول أقل بكثير من المستوى الذى يحتاجان إليه لتمويل استراتيجياتهما الخارجية وفى الوقت نفسه تلبية احتياجاتهما المحلية، وتكتسب العقوبات الموسعة ضد كل من روسيا وإيران الدعم فى أوروبا، وفى الوقت نفسه فإن التعاون العربى/ الإسرائيلى ضد إيران مستمر فى تشكله، وربما يتناول تحالف من دول المواجهة، تروجه وتدعمه الولايات المتحدة، فى النهاية مشكلة إيران بطرق لا تستطيع أى قوة خارجية القيام بها.
ولدى أجندة ترامب فرصة حقيقية للنجاح فى الشرق الأوسط، ولكن فقط إذا أجادت إدارته فن إدارة التحالفات الخبيث، وقد يبدو ذلك من غير المرجح ولكن إذا كان هناك شىء قد تعلمناه عن هذا الرئيس فهو أنه قادر على أن يكون مرنا من الناحية التكتيكية سعيا وراء أهدافه.

 


والتر راسل ميد
كاتب عمود بجريدة «وول ستريت جورنال»، وأستاذ الشؤون الخارجية والآداب بكلية بارد، وباحث فى معهد هادسون.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.