جديد الثانوية العامة الجديدة

طارق أبو السعد



جديد الثانوية العامة الجديدة



نعم، نحن فى حاجة إلى نظام تعليمى جديد، يهدف إلى بناء شخصية الطالب المصرى، ويعمل تحديدًا على الهوية المصرية، والولاء والانتماء للوطن. نعم، نحن فى أمَس الحاجة إلى استبدال نظام جديد بنظام الثانوية العامة. إن الإصلاح فى حد ذاته هدف قومى عاجل ومهم، ولا أحد يرفضه، ويجب أن تتضافر كل الجهود من أجل تحقيقه، وأى تقصير أو إهمال أو عدم إتقان هو بمنزلة خيانة للوطن، وأى عقبة يجب أن تُواجَه مبكرًا؛ لأننا لا نملك رفاهية إضاعة الفرص، فيجب أن تكون وسائل تحقيق الهدف صحيحة وسليمة وراشدة، وتتناسب مع قيمته كهدف قومى، ويجب أن نأخذ وقتنا فى الإعداد الكافى دون الوقوع فى فخ التأخير المميت أو الاستعجال القاتل، والثانوية العامة والتعليم فى مصر فى صلب عملية الإصلاح، ولأننا تأخرنا -تأخرنا جدا- فقد تفاقمت مشكلات التعليم فى مصر، ما جعل عملية الإصلاح ليست بالسهلة ولا باليسيرة، وإن أى محاولة لتطوير التعليم ستواجَه بعقبات قد تفسد العملية من أساسها، ومن ثم تسبب أمراضًا مجتمعية، سيكون علينا بَذل مجهود مُضاعَف للحد من آثارها السلبية، ولعقود طويلة قادمة. أولى هذه العقبات هى فهم المجتمع للتعليم ودوره، فالمجتمع المصرى لا يرى فى التعليم إلا الحصول على شهادة تمكّن صاحبها من ضمان المستقبل، أى أن يجد عملًا يدر عليه دخلًا مريحًا، فالتعليم هو البوابة الوحيدة للترقى الاجتماعى، ولظروف العمل فى مصر لم يعد مضمونًا إلا لخريجى كليات القمة «طب/ هندسة/ صيدلة/ أسنان/ علاج طبيعى»، وهذه الكليات يتصارع الطالب عليها هو وأسرته، وبالتالى يبذلون قصارى جهدهم ليحصل نجلهم على أعلى الدرجات، ولو لم يحصل على فرصته للحاق بإحدى هذه الكليات، يصبح البيت مأتمًا ونكدًا، وكأن الطالب رسب رغم حصوله على قرابة 96%، فهل الثانوية العامة الجديدة التى يروج لها معالى الوزير ستغير من هذه الحقيقة؟ أبدًا، فهو لم يقترب منها، بل التغيير الذى يتبعه الوزير شكلى جدا ولا قيمة له، فما قيمة أن يختبر الطالب من التابلت أو من كمبيوتر عادى أو من ورقة، ما دام أكبر أهدافه الحصول على الدرجة ونصف الدرجة؟ ما قيمة إلغاء الاختبار القومى ما دام الطالب سيُختبَر 12 اختبارًا فى ثلاث سنوات بشكل تراكمى؟ أى أن الثانوية العامة التى كانت سنة واحدة ومُتسببة فى كل هذا الذعر، أصبحت ثلاث سنوات من العذاب المستمر! فهل هذا هو التطوير؟ ليس صحيحًا أن التعليم سيتحول إلى نزهة تعليمية شيقة، فهذه أمنية، لكن الإصلاح لا يأتى بالتمنى ولا بالتحلى، ولكن بالتخطيط السليم. قد كان على الوزير أن يدرس تجربة الثانوية العامة السابقة التى أقرها الوزير الأسبق الدكتور حسين كامل بهاء الدين، التى كانت على عامين، والتى كانت تعطى للطالب الحق فى دخول أى اختبار للتحسين، وقتها روج وزير التعليم أن هذه الطريقة هى التى ستقضى على الدروس الخصوصية، لكن حدث العكس تمامًا، وتدفق الطلاب على الدروس الخصوصية بالملايين، وقتها غادر الطلاب المدرسة ولم يعودوا إلى الآن، تركوا المدرسة من أجل البحث عن مقعد متهالك فى سنتر تعليمى أمام مُعلم غير مدرب ولا متخصص، فى صفعةٍ وجهها الطلاب إلى المجتمع وإلى الوزراء وإلى كل مسؤول عن التعليم، وأصبح لدينا تعليم موازٍ للمدرسة غير خاضع لأى معيار تعليمى. ليس الحل مطاردة المعلمين فى مقارّهم، ولا تسليم الطلاب «تابلت»! بل تغيير فلسفة التعليم من أساسها، ومن داخل قناعات المجتمع نفسه. إن خطة الوزير لتطوير التعليم ستؤدى إلى مزيد من الدروس الخصوصية لكن فى طور جديد.

ثانى عقبة هى عدم استعداد المدارس، لا من حيث الأبنية ولا من حيث الكوادر البشرية، وأى ادّعاء أنه قد تم تدريب المعلمين على كذا أو أنهم تلقوا دورات متخصصة من الجهة الفلانية هو من باب الكذب والادعاء الذى يعاقب القانون عليه. لم أفهم ما قاله معالى الوزير طارق شوقى إنه لن يتم عمل امتحان قومى على مستوى الجمهورية لجميع طلبة الثانوية على أنه تطوير، فهمته على أنه عمل شكلى، لأنه قال بعدها: «سيكون امتحان الثانوية فى النظام الحالى المعدل مختلفًا فى الأسئلة، ولكنها متساوية فى درجة الصعوبة مثلما هو معمول به فى أنظمة امتحانات عالمية؛ مثل (توفل)»! فكيف سيكون الامتحان إذن؟ حاول الوزير أن يوضح مقصده فما زادنا إلا غموضًا؛ قال معاليه: «إن المدرسة ستطلب امتحان الثانوية وسيتم إرساله إليها فى يوم وساعة محددين إلكترونيًّا دون طباعته، ويتم تحميله مباشرةً على الكمبيوتر اللَوحى أو الكمبيوتر المكتبى للطالب، الذى يجيب عنه ويرسل إجاباته مباشرةً، ليتم تصحيحها إلكترونيًّا، إذ سيتم إرسال الإجابة نفسها إلى اثنين من المصححين ليتم الأخذ بمتوسط الدرجة التى يمنحها المصحح، أو الدرجة الأعلى دون أن يعرف المصحح هوية الطالب المُمتحن». هذا نص ما قاله معاليه، ويبدو أنه لم يعرف أن معامل المدارس التى بها أجهزة الحاسب الآلى التى ستتلقى الاختبارات لا تعمل، فقد فسدت من عدم الاستخدام والركنة فى المخازن، لأن الذى يتحكم فى معمل الحاسب الآلى أمين المعمل الذى وقّع على العهدة بآلاف الجنيهات، ولأننا فى ثقافتنا الوظيفية أن العهدة يجب أن تُسلم كما هى وإلا ستخصَم من الراتب، فكل أمين معمل حبسَ الأجهزة فى الكراتين لحين موعد الجرد ليُسلم عهدته سليمة كما استلمها، وبالتالى فأكثر من 80% من مدارسنا لا يستفيد الطلبة فيها من المعمل، فكيف سيتم الاختبار؟ ولو افترضنا أننا أجبرناهم على استخدامها، فهل يعلم الوزير أن هذه المعامل لا تكفى للطلبة بأى حال من الأحوال؟! العقبة الثالثة هى البيئة التعليمية التى سيتم فيها كل هذا التطوير والتغيير، فهل اطمأن الوزير إلى تغيير البيئة التعليمية واتجاهات المعلمين الذين لا يعرفون إلا الطريقة التقليدية فى التعليم؟ حتى مُعلم الحاسب الآلى يفضّل أن يشرح للطلبة على السبورة، لأنه -ببساطة- يعلم أن الطلبة إذا جلسوا أمام الكمبيوتر سيلعبون «سوليتير» فى أثناء الحصة، لأنها اللعبة الوحيدة المتوفرة على الأجهزة القديمة! فهل تم تجهيز المدارس بما يتناسب مع طموح الوزير؟ وهل تم تأهيل المعلمين فى كل الجمهورية، أم أن القصة «هيا بنا نضع الجميع أمام الأمر الواقع»؟ هذه الطريقة تزيد الطين بلةً، وتجعل الطالب ينصرف عن المدرسة أكثر ويذهب إلى حيث يجد حريته فى السنتر. هل يعلم معاليه أنه جزء من البيئة التعليمية التى ترفض التطوير؟ فقراراته الوزارية تجبر المعلمين على أن يتعاملوا مع الطلاب على أنهم فى سجن كبير، وتحتّم على الطلاب ارتداء زى معين، وأن مَن يتأخر ولو خمس دقائق عن الحصة الأولى يتم معاقبته أو تقريعه بالكلام. كل هذه القرارات هى التى تشكل البيئة التعليمية، وهى التى ستقف عقبة أمام أى تغيير، وهى التى تجاهل معاليه تغييرها. لهذا، يا معالى الوزير، تطويرك «فشنك» وعلى الله قصد السبيل.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...