من مرحلة تثبيت الدولة.. إلى مرحلة تثبيت المواطن

حسام مؤنس



من مرحلة تثبيت الدولة.. إلى مرحلة تثبيت المواطن



لا يبدو أن الفترة الرئاسية الثانية التى لم تبدأ رسميًّا بعد حتى الآن سوف تشهد أى جديد يختلف عن السنوات الأربع الأولى، ليس فقط على الصعيد السياسى وقضايا الحريات والديمقراطية، وإنما حتى فى ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومستوى معيشة المواطنين. ورغم توقعات وترويج البعض أن الفترة الثانية سوف تشهد تحسنًا اقتصاديًّا ملموسًا جرى الوعد به كثيرًا منذ كان السيسى مرشحًا للانتخابات الرئاسية فى 2014، والحديث عن فترة لن تزيد على عامَين إلى مهلة الأشهر الستة التى تكررت، فإن الأوضاع يبدو أنها تسير نحو الاستقرار إلى ما هى عليه حاليًّا إن لم تذهب إلى ما هو أسوأ، بالذات مع موجات جديدة مقبلة من ارتفاع الأسعار وما يصاحبه من زيادة معدلات التضخم والمزيد من إضعاف القوة الشرائية لعموم المصريين.

لن يقتصر الأمر إذن فى ما يبدو راجحًا على استمرار سياسات التضييق والحصار على أى أصوات مختلفة أو معارضة، وملاحقة أية محاولات لتشكيل أطر سياسية أو تنظيمية معارضة، والاكتفاء بمحاولات التحسين الشكلى التى تشمل تأسيس حزب جديد للسلطة وربما تمتد إلى تشكيل ما يسمونه أحزاب معارضة وطنية على مقاس السلطة وهواها، مع تزايد محاولات الهيمنة على الإعلام بمختلف وسائله وبما فى ذلك الإشارات التى تظهر بين الحين والآخر لمحاولة مدّ يد السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعى بعد حجب مئات المواقع المستقلة والمعارضة، وإحكام القبضة على القنوات التليفزيونية وكذلك الصحف دون أية مساحة استقلال نسبية، ولعل ما شهدناه مؤخرًا من حبس رئيس تحرير أحد المواقع وإقالة رئيس تحرير آخر مع إحالته إلى النيابة، تقدم نموذجًا واضحًا على الأسلوب الذى سوف تستمر السلطة فى اتباعه فى التعامل مع الصحافة والإعلام.
لكن مع ذلك يمتد استمرار السياسات القائمة للجوانب الاقتصادية والاجتماعية التى توغل فى الاستمرار فى ما يسمونه «إصلاحًا اقتصاديًّا» تغنوا بشجاعته وجرأته كثيرًا، رغم ما سببه من آثار كارثية على الحياة اليومية لملايين المصريين التى امتدت لتطول كل الطبقات الاجتماعية دونما استثناء تقريبًا، ولعل بضعة مؤشرات أخيرة تؤكد ذلك الاتجاه، فالإصرار على الاستمرار فى تطبيق بنود البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد الدولى يشير إلى قرارات جديدة تؤدى إلى موجات غلاء متوقعة فى يوليو المقبل، وتواصل التوسع فى سياسات الاقتراض الخارجى رغم ما تحمله من أعباء تزايد الديون وفوائدها على الاقتصاد المصرى ليس حاليًّا فحسب وإنما فى المستقبل كذلك، ثم ملامح الموازنة العامة التى تشير إلى الاستمرار فى خفض الدعم بشكل مطرد سعيًا نحو التخلص الكامل منه كآخر الأدوار المتبقية للدولة فى الدفاع عن حقوق الناس فى حد أدنى من القدرة على المعيشة، ومع ذلك استمرار انخفاض الإنفاق الحكومى على الملفات الاستراتيجية التى يمكن أن تؤسس لمستقبل مختلف، مثل التعليم والصحة والبحث العلمى، وهو ما يعكس طبيعة الانحياز الاجتماعى الذى تمثله هذه السلطة وسياساتها، والذى يتجلى على سبيل المثال فى إقرار مجلس النواب قانون زيادات رواتب الوزراء والمحافظين ونوابهم فى الوقت الذى تدعو فيه السلطة المصريين طوال الوقت إلى التقشف والصبر والتحمل دون أن ينوبها من ذلك كله أى جانب، بينما يبدو الانزعاج الشديد من صدور حكم قضائى لصالح أصحاب المعاشات وتظهر فورًا التساؤلات المعتادة حول «بكام ومنين؟» التى لم نرَ لها أثرًا عندما تعلق الأمر برواتب أصحاب السلطة! لكنه يظهر حينما نتحدث عن تأجيل زيادات الأسعار أو زيادة الحد الأدنى للأجور أو غيرها.
فلسفة الحكم القائمة تعكس بوضوح طبيعة موقف وانحيازات السلطة، فهى تعتبر السياسة ترفًا فى ظل التحديات الكبرى التى تواجهها الدولة، وتعتبر بقاء وتماسك الدولة مقصودًا بهما مؤسساتها لا المجتمع بمعناه الأشمل، وترى أن التقشف والتحمل مسؤولية الشعب لا السلطة، ثم هى تتحدث علنًا وبوضوح شديد عن كون العدالة الاجتماعية مطلبًا صعب التنفيذ ومجرد شعار جميل براق، مثلما قال الرئيس فى إحدى كلماته فى مؤتمر «حكاية وطن» قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، وليست حقًّا مشروعًا يمثل حدًّا أدنى من واجب أية سلطة تجاه المواطنين، وتستبدل بها عمليًّا طوال السنوات الماضية مفهوم الرعاية الاجتماعية الذى لا يمثل سوى إجراءات وبرامج تقلل من حجم الآثار المأساوية للسياسات الاقتصادية القائمة لقطاع محدود من المصريين مقارنة بمَن تأثروا سلبًا بمجمل هذه السياسات.
المشكلة الحقيقية هنا هى أن البعض يروج لبقاء الوضع على ما هو عليه بمنطق دفع فاتورة الإصلاح، الذى يقتصر هنا من وجهة نظر هؤلاء على الجانب الاقتصادى دون أن يمتد إلى ما هو سياسى أو اجتماعى، وباعتبار أن تلك هى الطريقة الوحيدة لمعالجة اختلالات عهود سابقة، رغم أنه فى واقع الأمر البدائل متعددة وكثيرة، ليس فقط على الصعيد الاقتصادى، وإنما كذلك فى غيره من المجالات، ولعل مساحة من الحرية سياسيًّا وإعلاميًّا كان يمكن أن تتيح لأصحاب الرؤى والحلول البديلة أن يطرحوا تصوراتهم ليكون أمام هذا المجتمع خيارات متعددة فى مواجهة نفس التحديات، لكن لأنها حزمة واحدة متكاملة من السياسات تقضى بأن يؤمم المجال العام بما لا يسمح سوى بوجود صوت واحد منفرد، ليتمكن من تمرير سياساته وتطبيقاته الاقتصادية دون إزعاج من المختلفين أو المعارضين.
الأمر بهذه الصورة يعنى بوضوح شديد أننا أمام منهج وليس أمام ضرورات فرضها الواقع، وأمام اختيار وانحياز محدد وليس محض إجراءات اضطرارية لمواجهة الأزمات، ورغم الحديث عن انتهاء مرحلة «تثبيت الدولة» التى يفترض أن تعنى قدرًا من الاستقرار الذى يتيح مساحة لتعامل مختلف مع القضايا والتحديات والملفات المطروحة، فإنه لا يبدو هناك أى جديد سوف يبنى على ذلك إلا مزيد من تثبيت المواطن عند حدود الصبر والتحمل لمزيد من المعاناة، ودون أن يكون مسموحًا له سوى بالتأييد والدعم فى مواجهة مؤامرات الأعداء الذين لم نعد نعرف مَن هم تحديدًا، وليس مقبولًا أن يعبر عن ألمه من الحاضر أو تطلعه إلى المستقبل إلا وَفقًا لما تراه السلطة التى احتكرت وحدها الوطنية ومعرفة الحقيقة دون غيرها، وبالتالى فسياساتها هى فقط ما يعبر عما فى صالح الوطن والمواطن وكل مَن يخالفها أو يعارضها بالتأكيد يصبح جزءًا من معسكر الشر المتآمر على الدولة، وهى نغمة يبدو أنها سوف تستمر فى الفترة المقبلة، لكن مدى مصداقيتها لدى الرأى العام تبدو مهددة بقوة، لأن الواقع الذى يعيشه المصريون أصدق الأنباء من كل الادعاءات التى يجرى الترويج لها على مدى السنوات الماضية.



أقرأ أيضا

تأملات

هل يصاب المؤمن بالاكتئاب؟

عبارة وردت على لسان الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، مفادها أن الإنسان المؤمن لا يُصاب بالاكتئاب، لأن إيمانه بالله يحميه من الاكتئاب. وقد تواترت هذه العبارة كثيرًا على ألسنة كثيرين من علماء الدين والدعاة، وانتشرت بين عوام الناس ومثقفيهم، فما مدى صحة هذه العبارة من الناحية العلمية؟
البلد

حينما تضحك التراجيديا

نكتة مدينة جوثام الدامية، ضحكة كبيرة مرسومة بالدم، القمامة تملأ الشوارع، السلالم تصعد إلى ما لا نهاية، العنف في الخارج يصل إلى درجة الجنون، والجرذان تهاجم كل شيء. الأغنياء في قصورهم، والإعلامي في الاستوديو الخاص به، بينما الشوارع تضج بالجنون والتنمر والفزع، الضحك اللا إرادي والكوميديا التي هي آخر ما تصل إليه التراجيديا من حدود، ضحكة تفجر الأسى والواقع حينما يلامس الفلسفة، كل ذلك هو فيلم "الجوكر".
البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...