هيا بنا نعتبر من سيرة السلف

طارق أبو السعد



هيا بنا نعتبر من سيرة السلف



من المفترض أننا نقرأ التاريخ للعبرة وللتذكرة، نقرأ التاريخ لندرس ونتدارس أحوال أهل هذا الزمن، ونستخلص الدروس المستفادة من الزمن ومن أحواله وتقلباته.


ومن التاريخ نكتشف النظريات «سنن الله فى الكون» التى تسير عليها المجتمعات العمرانية.


الغريب أننا وبعد خمسة عشر قرنًا من وجود الإسلام فى الأرض، لا نتعلم، نعم نحن لا نتعلم، من تاريخنا الإسلامى، مع أن الله تبارك وتعالى قص علينا قصص الأولين للعبرة، فهيا بنا نعتبر من سيرة سلفنا، فهى عبادة التفكر.


عندما نقرأ تاريخ المرحلة الأولى التى أسست الإسلام دينًا «ليس المقصود مرحلة الرسول الكريم» ولا المرحلة التى عرف فيها الصحابة والتابعون العالم بأسره ما الإسلام.


بل المرحلة التالية، وهى مرحلة استقرار النظام السياسى، واستخراج الدرر الكامنة فى الإسلام لهداية البشر فى هذه المرحلة عندما أتابع ما كتب عنها، أتعجب لماذا لم يسعهم قوله تعالى «ولا تنازعوا فتفشلوا..» ولماذا لم يسعهم وجود تنوع فكرى وثقافى يتجلى فى الاختلاف، هذا الاختلاف «التنوع» لم يجعل الأمة تنتبه إلى حقيقة قرآنية فى قوله تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (119) سورة هود.


لماذا لم ينتبه المسلمون الأوائل إلى حقيقة الإسلام السمحة والمتسامحة؟ ولماذا لم يكتشف المسلمون الأوائل أن الاختلاف من خصائص البشر الذين خلقهم الله تعالى بجبلة الاختلاف؟ بل الآية الكريمة تؤكد أن الاختلاف مستمر ولا يزالون مختلفين، بل يصل إلى أنه ربما هذا من علم الله تعالى فى خلق البشر فى قوله ولذلك خلقهم.


الحقيقة أن القارئ للتاريخ الإسلامى فى «فى حدود أربعمئة عام» هجرية سيكتشف التالى:     
لم يؤد وجود الاختلاف «التنوع» إلى الرحمة، بل إلى القتال:
وفى سنة 555 هـ، أدى التعصب المذهبى بين الحنفية من جهة والشافعية والشيعة من جهة أخرى فى نيسابور إلى قتل خلق عظيم، ومنهم علماء وفقهاء، وحرق الأسواق والمدارس والبيوت.

ثم وقعت فتنة أخرى مشابهة فى نيسابور بين الشافعية والحنابلة، اضطرت فيها السلطة للتدخل بالقوة وفض النزاع، وحدث الأمر ذاته فى أصفهان وبغداد. وكانت نهاية سفك الدماء وهتك الأستار واشتداد الخطب كما يقول ابن الأثير. أن خرّب الشافعيون كل ما بقى للأحناف فى نيسابور. كما كانت أصفهان مسرحًا دائمًا للصراع بين الشافعية والحنفية قبل مجىء الدولة الصفوية.


لم يؤد وجود الاختلاف «التنوع» إلى قبول نماذج للتدين متنوعة ومختلفة عن بعضها، بل أدى إلى فرض نموذج واحد للمتحكم وللمتسلط.


وبعد الاقتتال العنيف بين الحنابلة والشافعية فى بغداد سنة 469 هـ، حاول الوزير نظام الملك، التوصل إلى حل للمشكلة، فجمع بين ابن القشيرى، شيخ الشافعية، وأصحابه وبين أبى جعفر الشريف، شيخ الحنابلة، فى مجلسه، وطلب منهما أن يتصالحا، فقال له القشيرى: «أى صلح يكون بيننا؟ إنما الصلح بين مختصمين على ولاية، أو دَين، أو تنازع فى ملك. فأما هؤلاء القوم فيزعمون أنا كفار، ونحن نزعم أن مَن لا يعتقد ما نعتقده كان كافرًا، فأى صلح يكون بيننا؟!».


لم يؤد وجود الاختلاف «التنوع» إلى تنوع فكرى يثرى العقل العربى ويسع الجميع، بل أدى إلى تكفير الأخر تمامًا ترسيخ لفكرة أن فرقة واحدة فقط هى الناجية هى «مذهبى/ جماعتى/ حزبى» والباقى هالك. انظر إلى هذه الفتاوى المثيرة فى هذا الصدد، فتوى الشيخ أبى حاتم الحنبلى أحمد بن الحسين بن محمد، المحدث الإمام أبى حاتم بن خاموش الرازى البزاز من علماء السنة، التى يقول فيها: «مَن لم يكن حنبليا فليس بمسلم». هكذا وصف الذهبى فى تاريخ الإسلام 9/484، قائل هذه الجملة.


وهناك فتوى أخرى معاكسة، فحين اجتمعت المذاهب فى دمشق على الحنابلة تستنكر آراء الشيخ ابن تيمية الحنبلى، أفتى العلماء بارتدادهم وكُفّر ابن تيمية، ونادى المنادى: «مَن كان على دين ابن تيمية حلّ ماله ودمه». قالها شهاب الدين، ابن حجر، الهيتمى، ت 973 هـ، قال فى ترجمة ابن تيمية: «ابن تيمية عبد خذله الله، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله».


لم يؤد وجود الاختلاف «التنوع» إلى استثمار الطاقات المجتمعية نحو التقدم، بل أدى إلى تعطيل طاقة الأمة واستنزاف قدراتها، فى صراعات تافهة عطلت الأمة.


يقول ابن الأثير وهو يؤرخ لسنة 407 هـ: «ارتكب المعز بن باديس أفظع المجازر وأكبرها بحق الشيعة فى بلدان شمال إفريقيا، حتى ذكر أن حجم المجازر تسبب فى انقراض الشيعة هناك. وفى سنة 450 هـ، ارتكب السلاجقة مذبحة كبيرة بحق الشيعة فى بغداد، وأحرقوا دورهم ومكتباتهم، وفيها هرب الشيخ الطوسى، رئيس الشيعة، إلى النجف - الأشراف، وأسس حوزتها العلمية».


لم يؤد وجود الاختلاف «التنوع» إلى مزيد من التمسك بالوحدة للأمة الواحدة، بل أدى إلى التفكك والتشرذم وقبول الآخر الخارجى بدلا من قبول المتنوع الداخلى.


ومن الأمور المأساوية لهذه الحقيقة قضية احتلال المغول لمدينة أصفهان، يذكرها ابن أبى الحديد، إذ يقول بأن القتال بين الحنفية والشافعية وصل حدًّا فى أصفهان أنْ خرجت جماعة من الشافعية إلى المغول الذين احتلوا المدن المجاورة وعجزوا عن احتلال أصفهان سبع سنوات كاملة، وقالت لهم: «اقصدوا البلد حتى نسلّمه إليكم» على أن يعينوا الشافعية على الحنفية، فنقل ذلك إلى ملك المغول «قاآن بن جنكيزخان»، فحاصر أصفهان، فى وقت كان فيه الشافعية والحنفية يواصلون القتال فى المدينة، حتى قتل كثير منهم، وفتح الشافعية أبواب المدينة، على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية، ويعفوا عن الشافعية، إلا أن التتار بدؤوا بقتل الشافعية وانتهوا بالحنفية، ثم سائر المسلمين.


هذه هى الأحداث كوقائع، التاريخ يا سادة، يسير التاريخ ولا ينتظر أحدًا، ولا يعيد نفسه، فهذه ليست مشكلته. بل مشكلتنا نحن، لأننا نعيد أخطاء الماضى، فمنا من لم يتعلم من التاريخ، ويصر على استعادته واستحضاره، بكل مشكلاته، ويصر على الخداع والتدليس علينا بقوله إن الخير كل الخير فى مَن مضى!
إننا ندرس تاريخهم كى لا نكرر أخطاءهم، ولا لكى نقدسهم، أو ندنسهم، فقط نتعلم من مسيرتهم، فهل تعلمنا أو ما زلنا نعاند قوانين التاريخ.

 



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...