«كلاب الراعى».. رواية تحتفى بما تناساه التاريخ

نضال ممدوح 



«كلاب الراعى».. رواية تحتفى بما تناساه التاريخ



تتناول رواية «كلاب الراعى» للمستشار أشرف العشماوى، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، حالة السيولة السياسية والاجتماعية لمصر فى الفترة الزمنية من 1803 حتى ترسيم محمد على باشا واليا على مصر سنة 1805، وتغوص فى عالم المماليك المظلم وما ساده من مؤامرات واغتيالات بين أمرائه لبعضهم البعض، وتبدأ الرواية بمشهد المكيدة التى دبرها محمد على للإطاحة بطاهر باشا، وجثته الملقاة على ظهرها على يد ثلاثة من المصريين بتكليف من محمد على، وبقيادة «حسن الرومى» الملقب بالشاطر حسن، شقيق كمال سيف الدولة نائب محتسب المحروسة، ورجل كل الأنظمة الذى لا ينتمى إلا للمعسكر الرابح، وينجح فى انتزاع اعتراف من منفذى اغتيال طاهر باشا بعد إيداعهم سجن «العرقانة».


وتحت ضغط إنجليزى فرنسى، يُصدر السلطان العثمانى فرمانا بتعيين «عثمان البرديسى» واليا على مصر فى نفس توقيت الأزمة الاقتصادية عام 1803، ونظرا لنقص مياه النيل وقلة المحصول وانخفاض الدخل العام، يلجأ البرديسى إلى فرض ضرائب باهظة على جميع طوائف المصريين، فقاموا بالثورة ضده وأعلن فيها محمد على الذى كان ضابطا فى الحامية العثمانية انضمامه إلى العلماء والمشايخ بقيادة كل من عمر مكرم والمعلم جرجس الجوهرى، ونزل بجنده إلى الشوارع، واختلط بالأهالى الساخطين، وتعهد للعلماء والمشايخ برفع الضرائب الجديدة عن الناس كما أوصى جنوده باحترام الشعب، وبهذا كسب عطف الشعب وثقة زعمائه، وإن كان هذا التعاطف بإيعاز منه شخصيا بتحريكه للأحداث والوقائع لتصل لتلك النتيجة.


ونجح العشماوى فى رسم تفاصيل تلك الفترة المضطربة المتخمة بالفوضى والارتباك، والتى أغفلها التاريخ أو اختزلها المؤرخون فى بضعة أسطر، وهى لم تستغرق أكثر من عامين، وعُيّن فيها أكثر من حاكم، بعضهم لم يستمر حكمه أكثر من يومين «أحمد باشا» حتى يوم تنصيب محمد على فى صحن الجامع الأزهر، بمباركة شيوخه وعلى رأسهم عمر مكرم، ومشاركة «المعلم جرجس الجوهرى» ممثلا عن الأقباط. وهنا فى هذا المشهد تحديدا، نسجه الكاتب ببراعة تنقل المتلقى لمكان وزمان الحدث ذاته، فيمكنك رؤية انتفاخ أوداج محمد على وتورد وجنتيه وهو يتصنع الزهد فى ارتقاء ولاية مصرا فيعقد ما يشبه البيعة لاختيار عمر مكرما والذى بدوره يلقى الكرة فى ملعبه وتنطلى الخدعة على المصريين وهم يظنون أنهم لأول يمارسون حقهم فى اختيار حاكمهم.


ولم يغفل الراوى دور المرأة المصرية القديم قِدَم مصر، وهى تخرج فى المسيرات وتشارك الرجال المظاهرات وتنشد الهتافات التى لقنتها «زينب خاتون»، وكذلك دور الأقباط ومشاركتهم المسلمين كتفًا بكتف فى مقاومة طغيان المماليك وحماية أيقونة المقاومة «الشاطر حسن»، بدءا من يوسف الفقير وليس انتهاءً بالمعلم يعقوب الذى اختار بشجاعة الموت بالخازوق على أن يشى بالشاطر حسن، وهو الموقف الاستشهادى الفدائى الذى تختاره «حليمة» العرافة التى يلقونها للمشنقة بدلا من شقيقة أحد بكوات المماليك، بعدما قتلت جاريتها من شدة التعذيب: «القتيلة مصرية، مجرد جارية وقد أخطأت فأدبتها سيدتها، يكفى أن يحصل أهلها على دية هكذا أفتى القاضى عثمان ركن الدين، وهذا هو حكم الشرع وقد طبقناه. أمامك يومان لتقنع الأهالى بأن القتيلة لصة وأن شقيقة إبراهيم بك لم تكن تنوى قتلها. هيا اغرب عن وجهى» وفى لمحة خاطفة ساخرة يلتقط الراوى مشهدا رهيفا عن تواطؤ الفقهاء القضاة مع الحاكم، وتفصيل الفتاوى والأحكام بما يتماشى ورغباتهم، ذاك المشهد الذى تكرر على مدار التاريخ، ولكن أحدا لم يلتفت إليه، وما زلنا ندفع ثمنه!


ورغم كون «كلاب الراعى» رواية تاريخية فإنها كشفت وعرَّت خبايا النفس البشرية بما يشبه التحليل النفسى لطبيعة شخصية كمال سيف الدولة، بكل ما فيها من دناءة وضعة فى لهاثة المسعور وراء شهوة السلطة والسطوة، وعبوديته لمن يشتريه ولو كان العدو الذى حاربه وكاد يقتل أخيه «الحسن الرومى»، من أجل الوصول إليه وتعقبه، لذا جاءت تركيبته وبناء شخصيته أقوى وأكثر تأثيرا على المتلقى من شخصية البطل المحورى حسن الرومى ورومانسيته الثورية، والتى عادت وأنتجت نفسها مرة جديدة مع شباب ثورة يناير ٢٠١١، وتناقض موقفه من المماليك ومقاومتهم، ففى الوقت الذى يطاردونه ويلجأ لمطاريد الجبل وقائدهم «سليم أبو دياب» يرفض الإغارة عليهم وقطع طريقهم فى تلك الحملات التى يشنها أبو دياب متذرعا بأنه لا يستطيع ارتداء جلد الذئاب! وهو تناقض صارخ يتسم بمثالية تتناقض ومشروع المقاوم.


فى التاريخ الذى يعيد نفسه، وذلك الصراع بين قناصل الدول الأجنبية فى مصر، من أول القنصل الإنجليزى إلى القنصل النمساوى والفرنسى، للفوز بنصيب الأسد من «الكعكة المصرية»، والذى نشهد أحداثه منذ خروج آخر جندى إنجليزى من القناة وحتى كتابة هذه السطور، والصراع الدولى لتقزيم دور المحروسة وبث الفتن والصراعات على أرضها فلا تقوم لها قائمة، تجلى فى معاهدة لندن 1840، والتى كانت بداية النهاية لقوة محمد على مؤسس مصر الحديثة، لكن الكاتب فتح أمامنا دفقة أمل فى نهاية الفصول الـ٢٤ بفصل تحت عنوان «الناجى» وهو يبحر فى المتوسط نحو فرنسا ضمن البعثات التعليمية فى محاولة هى الأنجع لتحرير العقول وصرخة ربما الأخيرة بأن طريق الحرية يبدأ بالسؤال والدهشة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.