عالم الإخوان السرى

طارق أبو السعد



 عالم الإخوان السرى



للإخوان المسلمون عالم مختلف تمام الاختلاف عن العالم الذى نعيش فيه، رغم أنهم يشاركوننا عالمنا، أو هكذا نظن، إلا أن المؤكد أن لهم عالمًا آخر موازيًّا، وعندما أقول موازيًّا لا أقصد مجتمع الجيتو، إنما أقصد عالمًا سريّاً متخفيًا داخل عالمنا الحالى، الذى نعيشه ونمارى فيه حياتنا، عالم كلماته مكتوبة بالحبر السرى وسط كلمات عالمنا المكتوبة بالحبر العادى الواضح الجلى، عالم الإخوان مجتمع به مفرداته التى هى غير مفردات المجتمع، ولكنها تتشابه معه، مكوناته غير مكونات المجتمع إلا أنها تقترن به، أمر مربك فعلا، أنا ألتمس العذر لمن لا يتفهم حقيقة هذا العالم، فلا يفهمه «أو يظن أنه فهمه» إلا من عايشه فعلاً عن اقتناع، لا من عايشه عن اختراق، توصيف هذا العالم شاق جدًّا فمن النادر جدًّا أن تتكشف عالمهم ما لم تكن منهم فهم عالم سرى تمتزج فيه كل العوامل الاجتماعية الغامضة مع الأساطير، يتكون عالم الإخوان السرى من عوالم لثلاث:


أولاً: عالم الفكر والثقافة والتوعية  
 صنع الإخوان عالمهم الفكرى والثقافى هذا، صنعوه بأنفسهم لأنفسهم، على مقاس أدمغتهم، على هوى قيادتهم، بدلًا من أن يتشربوا الفكر الإنسانى المجرد، بدلا من أن يستفيدوا من التجارب البشرية، والحركات عبر التاريخ؛ ليكون رصيدًا لهم فى حركتهم، نجد الإخوان المسلمين قاموا فى حركة عكس اتجاه البشر الطبيعيين، فاخترعوا عالمهم الفكرى الذى يؤمنوا به، اخترعه لهم حسن البنا وسيد قطب، اخترعوا أفكارًا غريبة على مجتمعهم، وقدموها على أنها هى الفكر والثقافة الحقيقية، اخترعوا لهم أشخاصًا أبطالًا؛ ليلتفوا حولهم ويثقوا فيهم، اخترعوا لهم أحداثًا يؤمنون بها، الغريب أنهم أوجدوا مؤرخين يكتبون لهم التاريخ وفق رؤيتهم، واستبدلوا الفقهاء الرسميين بفقهاء يكتبون لهم وفق رؤيتهم التى صنعوها كما يريدون، ولهم مفتون، يقومون بالإفتاء وفق هذا الفقه، كما صنعوا مفكرين إسلاميين رسخوا قيمًا ومصطلحات جديدة مخترعة ليس لها أصل، لكنها برّاقة يجتذب إليها البسطاء، لا تتولد منها حضارة أو بنية حضارية، لكنها تناسب التنظيم وتدعم أفكار المؤسس، ومن أجل هذه الأفكار أنشأ الإخوان لأنفسهم مؤسسات تربوية داخل التنظيم السرى، لها مناهج يتم التربية عليها من وسائل تربوية فى ظنهم تعين المربين على توصيل أفكار المؤسس لأفراد الإخوان وتُحكم السيطرة الفكرية عليهم، كما أنشأوا مؤسسات لنشر أفكارهم فى المجتمع أيضًا، بزعم أنها أفكار إسلامية بحتة وهى التى ستؤدى إلى رفعة المسلمين وعودة مجدهم الزائل مرة أخرى.


كما أوجدوا جرائد مختلفة تتحدث بلسانهم – أوجدوا كتّابًا لهم يثقون فى آرائهم وينشرون كتبهم وسط المجتمعات التى يخالطونها، والأخطر من ذلك كله اختطفوا جزءًا من أهلنا ومن مجتمعنا أسروه لديهم، فهو يقرأ هذه الكتب ويؤمن بتلك الأفكار، ويتابع تلكم الجرائد، ويهتف فى المسيرات ويكبر ويهلل فى المناسبات والتجمعات، والأهم من ذلك كله يصوت فى الصناديق «واخد بالك الانتخابات!!»


ثانيًا: عالم المؤسسات الاقتصادية
كما أنشأ الإخوان مؤسسات اقتصادية موازية أو بديلة لهم داخل المجتمع، تسمح لهم بتكوين اقتصاديات مستقلة يتم الإنفاق منها على أنشطة الجماعة والعمل الدعوى «التجنيد»، وتسمح لهم بتشغيل أفرادهم فى هذه المؤسسات بدلا من أن ينشغلوا فى البحث عن عمل ويهدروا طاقات الأخ فى العمل بعيدًا عنهم، كما تسمح لهم أن يُحكموا السيطرة على الفرد الإخوانى فعندما ترتبط الفكرة التى من الممكن أن تتغير أو تتبدل، بالدخل الاقتصادى يصعب عليه أن يبدل فكرته؛ لأنه بطبيعة الحال سيتم تبديله من العالم الاقتصادى الذى يفتح بيته منه، هذا على مستوى العاملين الموظفين فى هذه المؤسسات مثل المستشفيات – المستوصفات – المدارس التعليمية – الحضانات الخاصة – الكتاتيب.


أما على مستوى رجال الأعمال فالمصالح تكون أشد تعقيدًا وتركيبًا منها عند الموظفين، وفى كل الأحوال هذا العالم يوفر نفقات مالية للأنشطة الإخوانية، ويوفر غطاءً ماليًّا لإخفاء أموال الجماعة التى ترد لهم من أماكن مختلفة، كما توفر أيضًا فرصة لإحكام السيطرة على التنظيم والمؤسسات التربوية والأفراد معنا، لذلك كان رجل الجماعة القوى محمود عزت «أمين صندوق الجماعة» و«خيرت الشاطر رجل أعمال الجماعة».


كما أنشأ الإخوان مؤسسات اقتصادية عملاقة مثل المصانع والشركات الدولية، تخدم مصالح الإخوان ويطبق نظرياته الاقتصادية، أو على الأقل يزعم أنه يطبق هذه النظريات الإسلامية الاقتصادية المزعومة.


ثالثًا: عالم التنشئة الاجتماعية
حرص الإخوان على عالم اجتماعى مختلف، يستطيع فيه أفراد الإخوان أن يمارسوا حياتهم التنظيمية بسهولة ويسر، والأهم أمان، فالزواج الإخوانى من أخت الإخوانية قد يكون رائعًا ومفيدًا كزوجين، لكن الفرص نفسها متاحة لو لم تكن أخت إخوانية، لكن أضرار الزواج من غير الإخوانية أنها ربما غير مقتنعة بتنظيم الإخوان لا بأفكارهم، وربما والدها أو والدتها كذلك، ربما يكون لهم التأثير غير المباشر أو المباشر على الأخ «الإخوانى» فيترك التنظيم، أو على الأقل سيفتر وجوده، أو ربما تتفشى أسرار التنظيم التى يجب ألا يعرفها غيرهم- سواء بقصد أو غير قصد- كأن تتحدث عمن زارهم أو حضر عندهم أو تتحدث بكلمات سمعتها من هنا أو هناك من هنا أوهناك، إذن الأسلم والأفضل للأخ وللتنظيم الزيجات الإخوانية.
 يتم رفع شعار للأخت المحجبة أن تخلى عنها الأخ الملتزم، فتتكون شبكات من العلاقات والمصاهرات يصعب تجاوزها فالزيجة الإخوانية هى أهم ما يميز هذا العالم.


الرحلات الخاصة وأحفال السمر الخاصة والسكن متجاورين، وتكوين الأصحاب والأصدقاء، والتقاضى أمام المحاكم، وفض النزاعات، كلها لها قواعد يتعاملون بها تختلف عن المجتمع الطبيعى، تمام الاختلاف، فالعلاقات فى المجتمع الطبيعى تنمو على اعتبار المشاعر، أو المصالح، أما فى الجماعة فعلى اعتبار قرارات القيادة التنظيمية، فهى ستوجهك أردت أم لم ترد سواء أدركت ذلك أم جهلته ستجد نفسك مدفوعًا تحب ما تحبه القيادة وتكره ما تكرهه القيادة، اعلم أنك لن تكون لك إرادة مستقلة، فلو كان بك مثل هذه الإرادة فستشعر بالقهر، لكن تمام الجندية أنك بيدك لا بيد أحد آخر ستقتل هذه الإرادة، وتتحول بفضل قبولك من البداية أن تكون فى هذه التنظيمات، إلى فرد مكرر فى جموع الإخوان.


أمر أخير الجانب الخلقى فى هذه العوالم السرية ممتاز وهو ما يجعل الحبكة شديدة فقد يظن البعض أن ما يقومون به هو التربية على حسن الخلق، أبدا هم فقط يستفيدون من الأشخاص ذوى الأخلاق الحسنة، والتربية فى الجماعة ليست إلا تربية تنظيمية بحتة، أى ترويض الأفكار وترويض الإرادات المستقلة لصالح التنظيم والمجموع، أنا سامع واحد بيقول طول عمر الإخوان فى وسطنا عمرنا ما سمعنا ولا شفنا اللى أنت بتقول عليه؟
أقول له ارجع إلى أول المقال ستكتشف الحقيقة



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...