الإسلام فى عيون المسلمين الجدد غير العرب

طارق أبو السعد



الإسلام فى عيون المسلمين الجدد غير العرب



فى الأسبوع الماضى حدثتكم عن تجربة صديقى فى نقل الإسلام إلى صديقته المسلمة حديثًا، وكيف انتهت بكارثة! ومن وقتها شغلتنى مجموعة أسئلة مرتبطة بالأفكار التى أثارتها «إلين»، كما شغلنى البحث عن الدوافع الحقيقية لاعتناق إنسان ما للإسلام، ثم وقفت كثيرًا عند رؤية «إلين» للجنة، والتى أثارت سؤالًا موضوعيًّا جدا حول رؤية المسلمين الجدد للإسلام والقرآن والرسول، وهل رؤيتهم مستقلة أم هى لحظات ضعف مرّوا بها فاستثمرها آخرون مسلمون؟ ثم كيف يعتنقون دينًا موسومًا عالميًّا بالإرهاب وبأن أهله يمارسون العنف على أنفسهم قبل غيرهم؟! وكيف يرون المسلمين الحاليين؟

هذه الأسئلة وغيرها فجَّرها التباين المعرفى بين «مسلم بالوراثة» صديقى علِى محيى الدين، ومسلمة «بالاختيار» هى «إلين». ذهبتُ إليه لأسأله هذه الأسئلة، فوجدته ما زال يعانى من تساؤلاتها المنطقية، فقال لى: ترى لو أن الرسول محمدًا، صلى الله عليه وسلم، لم يظهر فى العرب وظهر فى قوميات أخرى؛ مثل الفلبين، هل كان الإسلام سيختلف؟ قلت له: لا، ليس كثيرًا. قال: كيف؟ قلت: الاختلاف لن يكون فى الأصول الرئيسية للإسلام من أن الله واحد وأنه المستحق للعبادة وأنه يأمرنا بفعل الخيرات وينهانا عن فعل المنكرات، لكن سيكون هناك اختلاف كبير فى ما بعد الرسول. هز صديقى رأسه رافضًا قولى، وقال: لا، ليس صحيحًا أن أصل الإسلام هو القرآن، والقرآن ملىء بالتفاصيل العربية، ولو كان الرسول ظهر فى بيئة غير عربية لَكانت التفاصيل تناسب البيئة التى ظهر فيها! قلت: طبيعى، ولكن التفاصيل العربية التى فى القرآن ليست أصولًا، لعلك تقصد الأمثال التى فى القرآن؛ مثل الإبل والأغنام، وأن الله أوردها ليتفكر الإنسان فى عظمتها. قال: نعم، لو كان الرسول ظهر فى بيئة زراعية، ألم تكن الأمثال اختلفت لتناسب البيئة؟ قلت: وهل وقتها الثوابت الأساسية للدين ستكون صحيحة، أم كنا سنتساءل لماذا أورد الله تلك الأمثلة لقوم وتجاهل باقى الأقوام؟ يا صديقى، يجب أن تعلم أن الأمثال فى القرآن الكريم لتقريب المعنى لا أكثر، ونحن لا نعبد المثل حتى ولو ورد فى القرآن، ثم إن الإبل لم ترِد إلا فى آيتَين، الأولى فى سورة الأنعام، الآية 144، إذ قال الله، تبارك وتعالى: «وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»، وهى -كما ترى- وصف لما كان محرمًا على بنى إسرائيل. أما الثانية ففى سورة الغاشية، الآية 17، إذ قال تعالى: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت»، والإبل، أى الجِمال، موجودة فى كثير من البيئات وليست البيئة الصحراوية فقط، وحتى البيئة الصحراوية موجودة فى كل القارات تقريبًا ولا تخلو منطقة سكانية من الصحراء، والصحراء بيئة تثبت عجز الإنسان وقدرة الإله. لم يقتنع بكلماتى وجلس يعانى الحيرة، ثم قال: هل المسلمون الجدد دخلوا الإسلام لأنهم وجدوا فيه راحة نفسية ما، أم وجدوا إجابات عن أسئلة كَونية ما، أم دخلوا الإسلام لارتباطهم بشخص مسلم أحبّوه فأحبوا الإسلام، أم دخلوا الإسلام لأننا قمنا بدعوتهم إليه؟ قلت له: ليست لدىّ إجابة فأنا مسلم عربى ورثت الإسلام ولم أفكر فيه، هذه الأسئلة لن يجيب عنها إلا مسلم أسلم باختياره وجاء من خلفية غير عربية. ثم قلت له: ليس أمامنا لفك هذا الطلسم إلا أن تحمل أسئلتك الحائرة وتضعها أمام صديقتك. فتردد لأن فى آخر اتصال بينهما كانت مستاءة جدا، فشجعته، فقد كان فى حاجة إلى مَن يجيبه، وكنت أيضًا أنتظر مثله إجاباتها على أحَر من الجمر.
فاجأتنا «إلين» بأول جملة لها، إذ قالت: «سأخبرك لماذا تحولت إلى الإسلام»، فكلمة التحول هى كلمة مسيحية ويقابلها فى الإسلام الإيمان، لكنها اختارت التعبير بما فى وجدانها، ثم قالت: وُلدتُ لأسرة مسيحية وأنا أفخر بذلك، ورغم تحولى إلى الإسلام، لم تنقطع صلتى بأسرتى ومجتمعى السابق لحظة واحدة. ثم أردفت تقول: أسكن فى منطقة «سلطان قدرات» وهى تسمية مرتبطة بالقائد محمد قدرة الله، وهو قائد ظهر فى القرن السابع عشر، دعا إلى وحدة الجزر الفلبينية، وهو قائد عظيم دعا إلى وحدة شعب، فيه مسلمون ومسيحيون وثقافات وأعراق قد تكون مختلفة، تعرفتُ على الإسلام من سيدة غير عربية حديثة الإسلام، وعلى الرغم من أننى نشأت فى مدينة بها غالبية إسلامية، فإنى لم أحاول أن أتعرف على الإسلام من جيرانى، فهم متعصبون عنصريون، يتحدثون نيابةً عن الله، وخصوصًا المسلمين فى جبهة مورو، وهم غير محبوبين من باقى فئات الشعب، حتى إن المسلمين العاديين لا يحبونهم، لأنهم يدعون إلى الانفصال ويثيرون الكثير من الاختلافات والصراعات داخل المجتمع الفلبينى البسيط.. الجميع يعلم أنها خلافات بسبب تضارب المصالح الاجتماعية الاقتصادية، وبالتالى المصالح السياسية، هذه الخلافات اتخذت أحيانًا غطاءً دينيًّا. هذا الصراع الأنانى لبسط القوة والنفوذ دهس معه سلامة وطمأنينة غالبية البسطاء والفقراء، أعتقد أن كل البسطاء والفقراء يحلمون بحياة يظلها السلام، وأنا واحدة من هؤلاء البسطاء، أحلم بحياة بعيدة عن الصراعات الأنانية، وبدأت فى القراءة والاطلاع على ديانات كثيرة فى بيئتنا المرتبكة، بحثًا عن أسباب هذا الصراع، وكان من الطبيعى أن يحوز الإسلام اهتمامى الأكبر، فمدينة سلطان قدرات بها مسلمون كثيرون، وكنت بحاجة إلى أن أعرف كيف يفكر جيراننا المسلمون، وكنت أعلم أن القرآن هو كتاب المسلمين الأول، وهو المسؤول عن تشكيل أفكار ومشاعر المسلمين، فقرأت القرآن وتفاسيره الكثيرة، ووجدت فى القرآن الكريم الإجابات عن الأسئلة الكبرى عن جدوى حياة الإنسان، ولا أنكر أن كثيرًا من الديانات تقدم نفس الإجابات، لكن إجابات القرآن هى التى مسَّت قلبى؛ لهذا أنا مؤمنة بأن على كل إنسان أن يبحث عن الديانة التى تناسبه، أى التى تتمكن من قلبه، وتستطيع أن تنمى جانبه الروحى وتجعله أكثر سلامًا مع نفسه ومع الآخرين ومع الله. الله لم يخلق الأديان لتتصارع أو يتصارع أتباعها، بل جعل الأديان ليكون المعروض على الناس مختلفًا ومتنوعًا ليتوافق مع تنوع واختلاف الناس، وليس السؤال «ما الديانة الصحيحة؟» بل «ما الدين المناسب لك؟» على أن يكون تحولك من دين إلى آخر هدفه الوصول إلى أفضل صيغة تقترب بها من الرب. ثم أيقنتُ بعد فترة من الوقت أن التفاسير الكثيرة قد تضلل المسلم الحديث، ثم عرفت وفهمت كثيرًا من أفكار المسلمين ومشاعرهم، وكيف أنها ليست من صناعة القرآن، بل من صناعة المسلمين؛ لأسباب مختلفة قد تكون المال أو الصراعات أو السياسة؛ لهذا أنا متأكدة أن القرآن يختلف عن سلوك المسلمين الفلبينيين جدا، فعندما اتخذت قرار التحول إلى الإسلام لم يكن لأى مسلم يد فيه، فهم ينفّرون الناس الذين على شاكلتى من الانضمام إلى الإسلام، ولا بسبب ما كُتب عن الإسلام، فواقع المسلمين وما يُكتَب عنهم أكثر، لكن قرار التحول اتخذته بنفسٍ راضية مطمئنة، فى حالة وجدانية روحانية عالية بعد التعرف على الإسلام من القرآن مباشرةً، وكان ذلك مع بداية شهر رمضان، وقمت بالصيام قبل الصلاة، وكان أيضًا لهذا أثر روحانى فى اقتناعى التام برسالة الإسلام السامية الروحانية. وفى النهاية، أسأل الله أن يهدينى الطريق المستقيم.
انتهت رسالة إلين، أو جاسمين، الاسم الذى اختارته بعد الإسلام، وأجابت ببراءة عن كل الأسئلة، وتركتنا حيارى فى أمر الإسلام الموروث. أما ما قاله صديقى ففى المقالة التالية إن شاء الله.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...