عندما جلد عمر بن الخطاب ابنه

حاتم صادق



عندما جلد عمر بن الخطاب ابنه



أعتقد أن هذه القصة، هى واحدة من أهم الأمثلة الحية والواقعية للفكرة التى نحاول أن نثبتها ونرسخها فى أن مجتمع صدر الإسلام الأول -الذى نجله ونحبه بكل ما فيه من احترام وسمو- كان فى النهاية مجتمعًا بشريًّا صرفًا.


فيه ارتقاءات البشر وفيه نقاط الضعف بما يترتب عليها من أخطاء وخطايا، وهذا هو حال الإنسان فى كل وقت وفى كل مكان، ورغم عشق العبد لله كاتب تلك السطور لذلك المجتمع وتعلقه به بالعقل وبالعاطفة، فإننى لا أميل إلى محاولة أولئك الذين يريدون أن يصنعوا من ذلك المجتمع كيانا مقدسا جاء من خارج التاريخ، وكأنه حلم خارج السياق ومن ثَم فهو غير خاضع لشروط التطور التاريخى وظروف الزمان والمكان، وهى محاولة غير علمية ولا تعكس الصورة ولا تقدم الحقيقة بشكل كامل وموضوعى.


روى عبد الرزاق فى «مصنفه»:
«قال أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر قال: شرب أخى عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث، وهما بمصر فى خلافة عمر فسكرا، فلما أصبحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر فقالا: طَهِّرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه، فقال عبد الله: فذكر لى أخى أنه سكر، فقلت: ادخل الدار أطهرك ولم أشعر أنهما أتيا عَمرًا، فأخبرنى أخى أنه قد أخبر الأمير بذلك، فقال عبد الله: لا يحلق القوم على رؤوس الناس، ادخل الدار أحلقك وكانوا إذ ذاك يحلقون مع الحدود فدخل الدار، فقال عبد الله: فحلقت أخى بيدى، ثم جلدهم عمرو، فسمع بذلك عمر، فكتب إلى عمرو: أن ابعث إلىّ بعبد الرحمن؛ ففعل ذلك، فلما قدم على عمر جلده، وعاقبه لمكانه منه، ثم أرسله، فلبث شهرا صحيحا، ثم أصابه قدره فمات، فيحسب عامة الناس أنما مات من جلد عمر، ولم يمت من جلد عمر».


والقصة رواها ابن شبة فى «تاريخ المدينة» والبيهقى فى «السنن الكبرى»، والخطيب البغدادى فى «تاريخ بغداد».


كما أشار إليها الطبرى وابن الأثير، كل فى تاريخه.


إذن نحن هنا أمام قصة موثقة ومثبته فى أوثق المراجع، وهذا أمر مهم، حتى لا يتهمنا أحد بأننا نشوّه أحدًا أو ندين مرحلة من تاريخنا عزيزة علينا وغالية، لكن المهم قبل وبعد كل هذا أن نخرج بالرؤية وبالعبرة من تفاصيل تلك القصة، فهنا فقط تكمن قيمة قراءة القصص والأخبار التاريخية «فاقصص القصص لعلهم يتفكرون».  


فأولا: نحن أمام شاب غير عادى لمكانة أبيه التى لا يختلف عليها منصف أو عاقل، فهو عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، ومع ذلك نرى هذا الشاب بحكم الطبيعة البشرية  والضعف الإنسانى يقترف كبيرة من الكبائر المجمع عليها فى الإسلام وهى شرب الخمر، ولم يكن وحده بل كان معه أبو سروعة وهو رجل من الصحابة.


وقد حاول ابن الجوزى أن يسلك مسلك التبرير غير المنطقى للواقعة من أولها إلى آخرها وكأن وقوع الخطأ من هؤلاء مستحيل، حيث قال:
«ينبغى أن لا نظن بعبد الرحمن بن عمر أنه شرب الخمر، وإنما شرب النبيذ متأوِّلا، يظن أن ما شرب منه لا يسكر، وكذلك أبو سروعة، وأبو سروعة من أهل بدر، فلما خرج بهما الأمر إلى السكر طلبا التطهير بالحدّ، وقد كان يكفيهما مجرد الندم على التفريط، غير أنهما غضبا لله سبحانه على أنفسهما المفرطة، فأسلمهما إلى إقامة الحد» وقد وقع ابن الجوزى هنا فى خطأ تاريخى، حين ذكر أن أبا سروعة «من أهل بدر»، والصواب أنه من مسلمة الفتح.


وثانيا لأن صورة المجتمع والناس فى هذا الزمان ليست بالمقدسة ولا بالمدنسة، نجد الخير وقد تغلب على الرجلين، ويعود إليهما صوابهما فيندما على ما فعلا، ويذهبا لعمرو بن العاص ليعترفا طوعا بالجريمة، ويطلبا منه أن يقيم عليهما الحد، امتثالا لأمر الله وابتغاء للتطهر.


وهكذا تكتمل ملامح الصورة، خطأ يرتكب دون عصمة أو قداسة، واعتراف بهذا الخطأ يدفع مرتكبه إلى الندم والإسراع فى تسليم نفسه للتطهر بالحد والعقاب.


حالة بشرية صرفة، وهذا لا يعيبها على الإطلاق، بل أظنها من العوامل الإيجابية فى هذا المجتمع، الذى كان فى حقيقته يشهد ما تشهده المجتمعات الإنسانية على الأرض، وليس فى هذا انتقاص لرجاله رضى الله عنهم وأرضاهم، بل قد يكون محسوبا لهم، فلو أنهم كانوا معصومين لقلنا ومن يفعل فعلهم وقد عصمهم الله؟! ولكنهم كانوا مثلنا بشرًا، وهذا يجعلنا ننظر باحترام إلى شموخهم وعظمتهم، وبتسامح وتفهم لأخطائهم وتجاوزاتهم.


وثالثا: تظل هناك الصورة الإيجابية، فى أكثر من ملمح، فهذا ابن الخليفة يقام عليه الحد، ولا يبحث له أحد عن مهرب أو تفسير أوثغرة فى القضية تحول بينه وبين تنفيذ الحكم الواجب.


وأيضا وفى روايات أخرى للقصة بتفصيل أكبر، نجد عمر كما هو معروف عنه وقد كان حريصا على معاقبة الابن المخطئ، للدرجة التى جعلته يوبخ عمرو بن العاص لأنه قد أقام الحد على عبد الرحمن وعلى سروعة فى صحن البيت، ولم يكن التنفيذ علانية أمام العامة وعلى رؤوس الأشهاد، بل ويهدده بالعزل بسبب ذلك: «وأراك تلوثت بما تلوثت، فما أرانى إلا عازلك، فمسىء عزلك تضرب عبد الرحمن فى بيتك وتحلق رأسه فى بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفنى، إنما عبد الرحمن رجلٌ من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفتَ أن لا هوادة لأحدٍ من الناس عندى فى حق يجب لله عليه».


ولم يغفر عمر لعمر بن العاص ذلك، إلا بعد أن بيَّن له حقيقة موقفه فى أنه دائما ما يقيم الحد على مستحقيه فى صحن داره: «وكتبت إلى عمر كتابا أعتذر فيه، وأُخبره أنى ضربته فى صحن دارى، وبالله الذى لا يُحلَف بأعظم منه إنى أقيم الحدّ فى صحن دارى على الذمى والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر».


ولعل أفضل وأشمل تعبير عن عظمة موقف عمر فى القضية من أولها إلى آخرها، ما نجده فى كلمات عمرو بن العاص فى بداية روايته للقصة: «ما رأيتُ أحدا بعد نبى الله وأبى بكر أخوفَ لله من عمر، لا يبالى على من وقع الحق على ولدٍ أو والد».


ويظل هناك سؤال: هل كان عمر مبالغا فى هذه القضية حين جلد ابنه مرة ثانية بعد قدومه عليه، وهل يجوز تطبيق الحد مرتين؟، مع أن الحدود فى ذاتها شديدة، وقد استحب الشرع فيها التخفيف للدرجة التى تجعل من المسموح به التعريض للمقر بما يوجب الحد أن يتراجع عن إقراره.


هناك إجابات كثيرة واحتمالات متعددة، فالبيهقى يقول: «والذى يشبه أنه جلده جلد تعزير؛ فإن الحد لا يعاد، والله أعلم».


وذكر ابن تيمية أنه: «جلده (أى عمرو بن العاص) الحد سرًّا وكان الناس يجلدون علانية، فبعث عمر بن الخطاب إلى عمرو ينكر عليه ذلك، ولم يعتد عمر بذلك الجلد حتى أرسل إلى ابنه فأقدمه المدينة؛ فجلده الحد علانية، ولم ير الوجوب سقط بالحد الأول، وعاش ابنه بعد ذلك مدة ثم مرض ومات ولم يمت من ذلك الجلد».


وكلام ابن تيمية هنا غير مقنع، ولو كان كذلك لما خص عمر ابنه دون أبى سروعة؟!
أما ابن كثير فله رأى آخر: «ويحتمل أنه ثنّاه عليه لأجل أنه قريبه؛ فإنه كان تقدم فى أول ولايته إلى أهله أنهم لا يأتون شيئًا مما نهى الناس عنه إلا أضعف لهم العقوبة، وهذا هو الظاهر؛ لقول ابن عمر: فلما قدم عليه جلده وعاقبه من أجل مكانه منه».


وقال ابن عبد البر فى «الاستيعاب فى معرفة الأصحاب»: «ضربه عمرو بن العاص بمصر فى الخمر، ثم حمله إلى المدينة، فضربه أبوه أدب الوالد، ثم مرض ومات بعد شهر، هكذا يرويه معمر عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، وأما أهل العراق فيقولون: إنه مات تحت سياط عمر، وذلك غلط».


وفى رأيى الشخصى، كنت أفضل أن يكتفى عمر بما أقامه عمرو بن العاص من حد على عبد الرحمن، فالإسلام أولا وأخيرا دين رحمة وسماحة قبل أن يكون دين حق وعدل، وإذا وضعنا الجانب الأسرى فى الصورة، فإنه إذا كان لعمر على عبد الرحمن حق الأبوة، فإن لعبد الرحمن عليه حق البنوة، وحق الابن على أبيه أن يعامله بالحنان والرقة ولا يقسو عليه، وكما لم يكن هناك امتياز إيجابى لعبد الرحمن لأنه أبوه الخليفة فيبرأ من التهمة، فإن تمام العدل أن لا يلحق به أى تمييز سلبى أوعقاب زائد لأنه ابن الخليفة.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...