كتيبة الغموض والأساطير




كتيبة الغموض والأساطير



لعلّ أفضل الروايات رواية ليست تقليدية فى بنائها وسردها وطرافة أحداثها، فتأخذك إلى بُقعة لم تكن تعرفها، وتُبحِر بك إلى التاريخ المُترَع بالحب، والغموض، والأسطورة، والمصير الغامض الذى يكتنف شخوصها المختلفة مشاربهم وجنسياتهم وسلوكياتهم، وهذا ما فعله الكاتب الكبير محمد المنسى قنديل، فى روايته البديعة «كتيبة سوداء» الصادرة عن دار الشروق، حيث يستدعى فيها حكاية مجتزأة من بطن تاريخ مجهول لم يتناوله من قبله أحد، حيث كتيبة عسكرية مصـرية حاربت تحت لواء الجيش الفرنسى فى المكسيك فى عام 1863م، عندما طلب الإمبراطور الفرنسى نابليون الثالث، من الخديو سعيد باشا، مساعدته فى حربه على المكسيك، فيُلبّى خديو مصر طلبه ويُرسِل رسلاً إليه بكتيبة «أورطة» عددها 500 جندى من العبيد الذين يُشكّلون عماد الجيش الذى يساعد القوات الفرنسية فى السيطرة على المكسيك، ومن هنا جاءت تسمية الرواية بذلك الاسم.


لم يكن سرد المنسى قنديل أو الإبحار فى عُمق شريحة من تاريخ منسىّ هما ما يميّز تلك الرواية فقط، بل إنه نجـح بشكل لافت للانتباه فى رسم ونحت شخوص الرواية كما أفضل نحّات ماهر، فجاءت الشخصيات حيّة متفاعلة مع الأحداث، متفاعلة مع القارئ الذى تأخذه الدهشة والحبكة من أول فصل فى الرواية، فليست الرواية مَلِـكًا وكتيبة وجنودًا فحسب، بل هى شخوصٌ وعوالمُ تتّسم بالغرابة حيث سلطان الغابة، وتاجر العبيد، والفرنسية الشبقة التى تطفئ ظمأ جسدها وشهوتها بأجساد العبيد، وحيث ود الزبير النخاس النوبى الذى يُبحر بسفينته إلى الجنوب الذى يستبدل عددًا من الزنوج بأربعة بنادق (!!)، ويغرى سلطان قبيلتهم بالقوة الملعونة التى يمكن أن يكتسبها من خلالها، وإمكانية توسيع سلطنته وسيطرته لتشمل القبائل المجاورة، لأنه سيمتلك أسلحة حديثة تفتك بأعدائه، وتحميه منهم، وتعمى القوة الموعودة المتمثلة بأربع بنادق سلطان القبيلة، فيقرر دفع أربعين من رجاله مقابلها، وهو ما يفتت بنية قبيلته التى سيحاول ترميمها بالقوة المكتسبة تاليا، ثم تقوم المرأة الفرنسية بالإبلاغ عنه ليقوم الفرنسيون بدورهم فيأخذون عبيده الذين سيكوّنون الكتيبة السوداء التى تسافر بحرًا إلى المكسيك حيث الحرب المستعرة هناك، وحيث المصاير التى تنتظرهم فى تلك الأراضى البعيدة.


وفى أوروبا تنتقل أحداث الرواية ليظهر فى الأحداث مارك أخو الإمبراطور النمساوى ليوبولد، الذى يتردد فى أول الأمر فى قبول صفقة تنازله عن عرش النمسا مقابل تتويجه أميرًا على المكسيك مع زوجته شارلوت، والمنسى قنديل بذلك يشير إلى ملوك وأمراء أوروبا الاستعماريين الذين يقسّمون العالم على مزاجهم ووَفق مشاريعهم التوسّعيّة التى لا تراعى القيم الإنسانية للمُستضعفين فى الأرض.


أما الشخصية التى تبحث عن الحرية فهو العبد الأسود (العاصى) الذى يفشل فى الهرب من الأسْر ليتحوّل إلى قائد مجموعة من المقاتلين العبيد، فتختاره الإمبراطورة حارسًا ومرافقًا وعشيقًا لها، إلى أن يتفاعل مع أحداث الثورة الفرنسية 1867م، وتنتهى رحلته الطويلة الباحثة عن الحرية والأحلام فى ميدان الثورة شهيدًا لحريته وحُلمه بالتحرّر والخلاص من العبودية.. يقول قنديل عن تجربته فى تلك الرواية:  
«أردت أن أكتب رواية خارج السياق ودائمًا ما أتذكر نصيحة نجيب محفوظ لنا بأنَّ عليكم توسعة فرشة الرواية العربية، ولهذا كان هناك إلحاح شديد من جانبى ومن جانب جيلى أن نخرج من هذا العالم، وكان الحديث حول هذه الرواية بشكل غامض حيث كانت لها سطور بسيطة من قِبَل عبد الرحمن الرافعى، رغم أنه لم يترك شيئًا فى التاريخ المصرى المعاصر إلا وتكلَّم عنه بالتفصيل، إضافة إلى أن كل مَن تكلَّم على هذه الرواية لم يقل أى شىء عن واقعها.. قُمت بقراءة تقرير فى إحدى المجلات القديمة حول أن هناك وفدًا مصريًّا عسكريًّا ذاهبًا إلى المكسيك لكى يضع أكاليل الزهور على مقابر جنود هذه الكتيبة، إلا أنه لم يجد لهم أى أثر، ولذلك كان يلزم علىّ أن أسافر المكسيك لكى ألمس الذى فعلته هذه الكتيبة على أرض الواقع، وفى المكسيك تفتحت لى الكثير من الحقائق حول هذه القصة..».


هى رواية عاشها قنديل بعقله ورُوحه ليُقدّمها لنا فى إطار شائق ماتع من التاريخ الممزوج بالأسطورة، والتداخلات المباشرة بين أطماع الغرب الضاربة فى عمق التاريخ، وأحلام الشرق المغلوب على أمره بفعل تواطؤ حُكّامه مع قوى الاستعمار والهيمنة، وعلى الرغم من طولها الذى يتجاوز 450 صفحة من القطع الكبير، فإنّ قارئها لن يصيبه ملل أو سأم منها، لأنها رواية الروح والمصير الإنسانى المُعذّب بالبحث عن الحرية و.. الحبّ.



أقرأ أيضا