لو أن غاية الحجاب درء الفتنة لفُرض على الإماء وغير المسلمات!

عصام الزهيري



لو أن غاية الحجاب درء الفتنة لفُرض على الإماء وغير المسلمات!



فى آيات الحجاب بالقرآن الكريم حصر صريح يجعله يختص فى بعضها بزوجات النبى وحدهن، وفى بعضها بالمسلمات وحدهن، وفى عمومها بالحرات دون الإماء وحدهن. تبدأ آية الجلباب بقوله تعالى: «يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين»- الأحزاب: 59، وتبدأ آية الخمار بقوله: «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن»- النور: 31. ثم يأتى الخلاف الفقهى الواسع والمدعم فى نفس الوقت بالمأثورات والأخبار والأحاديث والروايات التى تنسب للنبى والصحابة وأمهات المؤمنين والتابعين، ليتكفل بإبراز علامات استفهام ضخمة على الفهم القاطع الذى تحرص المؤسسات الأصولية والجماعات الدينية على تسويقه بكل حسم ويقين لا سند حقيقى لهما.

على رأس علامات الاستفهام هذه ما يتعلق بارتباط زى المرأة كما يُنص عليه فى القرآن باعتبارات درء الفتنة، فالجلىّ من الآيات البينات اتصالها جميعا بلون من المواضعات الاجتماعية والقبلية المرتبطة بعادات اللباس كما كانت سائدة فى الجزيرة العربية أوان نزول الإسلام، بأكثر من ارتباطها بفكرة درء الفتنة أو التحريض على الإغواء التى يتكفل بها قطعا قوله تعالى: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون»- النور: 30، وقوله: «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها»- النور: 31. وسبب نزول الآية كما يقول كتاب «تفسير آيات الأحكام»: «وعلى ما أخرجه ابن مردويه عن علىّ كرم الله وجهه أنّ رجلا مرّ على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم فى طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشى إلى جنب حائط وهو ينظر إليها، إذا استقبله الحائط فشق أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتى رسول الله فأخبره أمرى، فأتاه فقصّ عليه قصته فقال النبى: (هذا عقوبة ذنبك) وأنزل الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)».
وبغض النظر عن الارتياب المتعلق بغرابة تأكيد الرواية دون دليل ملموس أن الشيطان «وسوس لهما» معا على السواء! إلا أن الأمر بغض البصر الوارد فى الآيتين لا يعنى التعامى أو التجاهل أو إلفات الوجه أو إغماض العينين أو عدم النظر إلى الكائن بجملته، وإنما يتضمن النهى عن النظر بشهوة فقط، فحسب الشرح المفصل الذى يقدمه «السايس» للآية: «وغضّ البصر إطباق الجفن على الجفن أو هو خفض الجفن الأعلى وإرخاؤه، ومن الثانى قول كعب بن زهير: وما سعاد غداة البين إذ رحلوا / إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول. فليس يريد أنها مغمضة عينها مطبقة أجفانها بل إنها خافضة الطرف من الحياء والخفر. وكلمة (مِنْ) قيل: إنها صلة على مذهب الأخفش، والراجح أنها أصلية، وهى على ذلك تحتمل معانى أظهرها أنها للتبعيض، أى يغضوا بعض أبصارهم، وهو كناية عن غض بصرهم عن بعض المبصرات وهى التى لا تحل، أو يغضوا بعض أبصارهم عند النظر إلى المحرمات، فلا يحملقوا بأعينهم فى محرم، ويكون المعنى على هذا الوجه على إرادة توبيخ من يكثر التأمل فى المحرم، كما تقول لمن عهدت أنه يأتى نوعا من المنكر ورأيته يسترسل فيه: بعض هذا يا فلان. فأنت لا تريد منه أن يقتصر على بعض هذا المنكر ولا تفيد بهذا أنك ترضاه له وأنك تقرّه عليه، بل غرضك أن تلومه وتوبخه على التمادى فيه».
وليس المنطق الماثل فى عدم تعلق دين الإنسان وإيمانه وعقيدته بمظهره وشكل لباسه ونوعه وكيفيته، وكلها أمور تتحكم فيها محددات اختلاف الثقافة والتقاليد والموروثات والبيئات والمناخات وخلافه، هو وحده ما يرشح تعلق آيات اللباس فى القرآن بلون من المواضعات الاجتماعية والقبلية والثقافية المتغيرة، فضلا عن تعلقها بمناسبات ووقائع بنت بيئتها وزمانها مثل التى ترد فى أسباب النزول، بأكثر من تعلقها بتكليف دينى عقائدى وخلقى إيمانى يسهّل ولع الأصوليين بفرض حجاب -أو «زى شرعى» حسب التسمية الرائجة- على المسلمات. بل إن الحقائق الحاسمة التى تؤكد ذلك لأبعد تلك التى يدل عليها سياق ومنطوق آيات القرآن ومرويات الحديث ذاتها، وفى مقدمة هذه الحقائق عدم فرض الحجاب على المسلمة الأمة غير الحرة، تلك التى ينعقد الإجماع فى الميراث الفقهى على أن عورتها مثل عورة الرجل، أى من السرة إلى الركبة فقط لا غير «!!»، وكذلك الاتفاق الذى يكاد يكون شاملا بين الفقهاء على عدم خضوع غير المسلمات للزى المفروض. ولو كان الحجاب يتعلق بفرضية درء الفتنة لما كان يتصور أن تعفى منه الجارية غير الحرة والمرأة غير المسلمة وكلتاهما مما يحتمل أن تعظم الفتنة بهما عند ذوى النفوس الضعيفة بأكثر من فتنتهم بالمرأة المسلمة ابنة بيئتهم ومجتمعهم، والتى تسبغ عليها بيئتها ومجتمعها حصانة لا تتوفر للأمة ولغير المسلمة بداهة.
لكن المؤكد فى سياق حديث الحجاب أن أغلب الاصطلاحات والتعاريف التى تتعلق بفكرة «الزى الشرعى» تنتمى كلها لأحكام الفقه الوضعية أكثر مما تمت للمنطوق البيانى الصريح لآيات القرآن، كمصطلح «الزى الشرعى» نفسه الذى لا يجد له المرء أثرا فى نصوص القرآن ومرويات الحديث، ولا يعثر له على مثيل فى أخبار صدر الإسلام والمصنفات الأقرب له حتى بعد مرور قرون على نزول الوحى. وفى مقدمة هذه المسائل أيضا الاصطلاح على أن الإسلام فرض على المرأة كشف الوجه والكفين، وأنه اعتبر جسدها باستثناء الوجه والكفين عند البعض، وسائر الجسد كله عند آخرين عورة! ومعلوم أن اعتبار جسد المرأة عورة لم يجر له ذكر فى آيات الوحى وإنما جرى على ألسنة رواة الحديث، ونموذجه الحديث الذى رواه الترمذى عن أبى هريرة ويأتى فيه: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان»! لكن المدهش أكثر أن الأحاديث التى اعتمد عليها الفقه فى تأكيد إباحة وتحريم كشف الوجه والكفين على السواء كلها نصوص جرى الطعن عليها والتشكيك فى صحتها، وعلى رأسها حديث «أسماء بنت أبى بكر» الذى رواه أبو داود، وفيه أنها: «دخلت على رسول الله وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه»، ويذكر أبو داود نفسه أن راوى الحديث «خالد بن دريك» لم يدرك من روى عنها وهى السيدة عائشة ولا ولد فى حياتها!
وحديث أبى داود المرسل يضاربه آخر أورده الطبرى عن قتادة عن عائشة عن النبى وفيه: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع»، وليس بوسعنا إزاء هذا التضارب، وهذه التقريبية الممتدة من الكفين إلى نصف الذراع، إلا استبعاد أن يكون هناك فى الإسلام ما يمكننا أن نعتبره زيا شرعيا تكليفيا ومتفقا عليه. والأحاديث التى تذهب لأبعد فى تأكيد ذلك تقطع بنفى الصلة التى يريد أن يعقدها الأصوليون المحدثون بين الحجاب ودرء الفتنة، فلو كان هدف الحجاب درء الفتنة لما اتصل بالمسلمة الحرة دون الأمة، ولما اتصل بالمسلمة دون غير المسلمة كذلك، بل ولما أباحت مرويات الحديث للمرأة المسلمة كشف شعرها أو رجليها أمام العبيد غير الأحرار، طبقا لما يرويه أبو داود عن أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها. فلما رأى النبى ما تلقى من ذلك قال: إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك»! والبعض يحمل العبد الموصوف بالغلام على جرى العادة قديما على ما ملكت أيمانهن بقوله تعالى: «لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ»- الأحزاب: 55، بينما يحمله آخرون على الأطفال المقصودين بقوله تعالى: «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النساء»- النور: 31. وإن كان الذى يلحظ فى الآيتين الكريمتين هو عدم اشتمالهما على العم والخال، مما يوحى بأن من ورد تسميتهم بها لا يقصد بهم غير التمثيل والتقريب لا التحديد والاستبعاد.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.