يا بخت الموت بيك يا خال

كريم البكرى



يا بخت الموت بيك يا خال



حتمًا سمعت، عزيزى القارئ، عن «كذبة أبريل»، ولكن ماذا عن «صادق أبريل»؟ الشخص الذى لم يعرف الكذب أو يتخذه سبيلًا للنجاح، الشاعر الذى شعر بكل مَن حوله وسخَّر كلماته لتوثيق التاريخ المصرى وإلقاء التفاؤل فى قلوب المصريين، والحفاظ على التراث من يد العبث، الرفيق الذى صادق كل مَن قرأ له، وفتح لنا دفتر ذكرياته واصطحبنا فى رحلة إلى أبنود بصعيد مصر، وعرَّفنا على والدته فاطمة قنديل، أو كما يناجيها فى قصائده «فاطنة»، والشيخ محمود الأبنودى والده، وعمّته «يامنة» المزروعة فى ضهر الباب تنتظر سلام الأحبة أو الأغراب، مثلما وصفها فى قصيدته «يامنة».

فى شهر أبريل، حيث ميلاده ورحيله، دعونا نتذكر مَن صَدَقَت كلماته فصدَّقه الملايين.. الخال الخالد دائمًا عبد الرحمن الأبنودى.
أتذكر مانشيت جريدة «المقال» صبيحة رحيل الخال، كان آنذاك: «وقدرت تموت يا عبد الرحمن؟»، وبعد ثلاثة أعوام من رحيل الخال ما زالت الأسئلة تطرح نفسها.. كيف استطاع أن يرحل الأبنودى ويتركنا؟ كيف عشق الموت وكان مهيأً له؟
ولكن الأبنودى لن يموت، أتذكر كلماته فى آخر لقاء تليفزيونى له مع الإعلامية لميس الحديدى، من على فراش المرض، عندما قال: «أنا بين أيدٍ أمينة جدًّا مخليانى كويس حتى لو حالتى مش كويسة، المرض فى حاله وأنا فى حالى، المرض عاوز إبرته وبرشامته وأنا عاوز أقرأ وأكتب وأضحك وألعب، أنا عايش فى قرية بعيدة ومقبرتى هتكون بعيدة أيضًا ونفسى الشعب المصرى ماينسانيش».
رغم قسوة المرض وشدة الألم طلَّ علينا الخال فى آخر لقاء تليفزيونى له مبتسمًا كما عهدناه، كان حريصًا على إلقاء الشِّعر والتحدث عن ذكرياته مع الفنانين وكواليس تأليف قصائده، وكأنه يسعى جاهدًا إلى أن يكون ضيفًا خفيفًا على قلوب المواطنين، ويعلو صوت قصائده وذكرياته على أصوات الأجهزة الطبية المحيطة به. واليوم، ما زال صوته يغرّد فى سماء الجنة ويصل إلينا فى واقعنا المؤلم، ويرسم على وجوهنا ابتسامة امتنان واشتياق للخال.
بين السهول والنباتات تخيَّر الخال موقع مقبرته التى ستحتضنه طويلًا، كانت مقبرة تشبهه كثيرًا، حيث كانت قريبة من منزله فى جبل مريم بالإسماعيلية، وكانت بسيطة كبساطة الأبنودى ورقة كلماته، بالإضافة إلى كونها بيضاء اللون ناصعة مثل قلبه الأبيض، ووقفت شامخة أعلى ربوة خضراء مثلما وقف الخال شامخًا أمام الظلم والاستبداد والأهوال والصعاب.
لم يخشَ الأبنودى الموتَ، ودائمًا ما كان يتحدث عنه فى القصائد والبرامج التليفزيونية بمنتهى الود والترقب، وكأنه يعلم أن تاريخه الشِّعرى سيجعله حيًّا للأبد، ففى حواره مع الإعلامى محمود سعد بمناسبة عيد ميلاده، قال: «إحنا الصعايدة نحب الموت ونحتفل بيه وننتظره، أول ما يوصل الشخص سن الأربعين يقول: يلّا حُسن الختام»، وكأنه كان يعلم أن بعد إذاعة الحفلة بعشرة أيام فقط سيكون الموت ضيفه، ففى مساء 21 أبريل، عام 2015، حظى الموت بالخال، ويا بخت الموت به!
ولكن إذا خطف الموت جسد الخال، فحتمًا لن يخطف تراثًا عظيمًا تركه لنا، فالأبنودى كان رفيق سنوات طويلة منذ الستينيات حتى اليوم، كان صوت الأغلبية الصامتة ورسول المُهمَّشين والبسطاء، الرجل الذى خاض تجربة الشيوعية وتعرض للسجن عام 1966، بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعى صغير اسمه «وحدة الشيوعيين»، كانت غالبية أعضائه من الكُتاب والفنانين، أبرزهم: «جمال الغيطانى، صلاح عيسى، صبرى حافظ، الناقد إبراهيم فتحى»، سُجنوا جميعًا ثلاثة أشهر قبل الإفراج عنهم استجابةً لشرط وضعَه جان بول سارتر لزيارة مصر قبل أيام من نكسة 1967.
كان الأبنودى أحد هؤلاء الذين صفعتهم النكسة، ولكنه كان متمردًا على الانكسار، فكتب للعندليب عبد الحليم حافظ أغنيته الخالدة «عدَّى النهار» ليؤكد أن مصر «بتحب موال النهار»، وأن الوطن يرفض النهاية الحزينة، ثم يعود مجددًا ليصبِّح على سيناء بعد حرب 1973، فعند انطلاق الحرب كان الأبنودى يعمل فى لندن برفقة صديقه الأديب السودانى الطيب صالح، ولم تسمح له الظروف بالعودة إلى مصر، لكنه لم ينسَ تخليد انتصار الجيش بقصيدة غناها عبد الحليم حافظ، مطلع عام 1974، ولحّنها كمال الطويل «صباح الخير يا سينا».
براعة الخال فرضت نفسها على مشروع قومى كبير بقدر السد العالى، الذى يعد أحد فصول العِزة المصرية عن طريق تصميم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر على بنائه رغمًا عن واشنطن والبنك الدولى، ولكن إذا ذُكر السد العالى حتمًا يُذكر حراجى القط، ذلك العامل البسيط الذى ترك جبلاية الفار وعمل بصحبة العمال فى بناء السد العالى. جوابات الأسطى حراجى القط وزوجته «فاطنة أحمد عبد الغفار» لم تكن مجرد قصة حب أصيلة راقية لا تبتغى أى مصلحة أو استفادة، ولكنها أيضًا كانت توثيقًا تاريخيًّا لكواليس تشييد هذا البناء العظيم، الذى لم يكن ليظهر للنور لولا حراجى القط وكل مَن على شاكلته.
قبل ثورة يناير بنحو 30 عامًا، وفى نهاية عهد الرئيس السادات عام 1981، كتب الأبنودى قصيدة «المد والجزر»، التى استلهمها من انتفاضة الطلبة عام 1946، يلعن فيها: «تسقط الخيانة والقيادات الجبانة نداغة الإهانة، كريهة الريحة، كريهة الصوت، والبرلمانات الموت»، وأحيا الخال انتفاضة الطلبة، واقتحامهم ميدان التحرير وقتما كان يسمى ميدان «الإسماعيلية»، وبعد ثلاثة عقود ظهرت ثورة يناير للنور، وكان الأبنودى حاضرًا فيها منذ بدايتها بقصيدة «الميدان» التى كانت أول قصيدة خلدت الثورة ومكانها الأهم «ميدان التحرير»، فالخال لم ينتظر رحيل مبارك ليعلن عن موقفه فى قصيدته، ولكنه أعلنها فى 4 فبراير 2011، ليقول بأعلى صوت: «آن الأوان ترحلى يا دولة العواجيز»، لتصبح هذه القصيدة هى أيقونة الثورة، وحتمًا يومًا ما سترحل دولة العواجيز وستبقى قصائد الخال أبدًا.
فى ذكرى رحيله الثالثة، دعونا نناجى الخال، الذى كشف الروائى جمال الغيطانى عن سر هذه التسمية قائلًا: «الشعب المصرى عندما يحب أحدًا ويثق به كان يسميه الخال؛ لأن الخال لا يرث وليست لديه مطامع شخصية، ولذا فقد أطلقوا على الشاعر عبد الرحمن الأبنودى لقب الخال».
بالفعل، الأبنودى لم يكن يومًا منتظرًا مالًا أو شهرة أو منصبًا ونفوذًا، فنفوذه الأكبر جاء بمباركة الملايين الذين صدقوه وعشقوه وآمنوا به وظلوا يرددون كلماته.
رحم الله شاعرًا صادقًا لم يتاجر بكلمته، رحم الله مَن اتسع سرادق عزائه لأصحاب البدَل الراقية والجلاليب البسيطة مثلما اتسع قلبه ليشمل الفقير قبل الغنى، رحم الله من لم ينسَ عروبته وقوميته وظل متمسكًا بالرسالة، رحم الله مَن كان صوتًا لكل مَن لم يستطع التحدث، رحم الله رمزًا حرًّا صادقًا أمينًا.. رحم الله الخال عبد الرحمن الأبنودى، الصادق فى حياة الكذب والتصنُّع.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...