عدوان ثلاثى أم تفاهم روسى- أمريكى حول سوريا؟

معتمر أمين



عدوان ثلاثى أم تفاهم روسى- أمريكى حول سوريا؟



قد يكون الكلام عن سوريا مليئًا بالشجن، لكن السياسة الدولية لا تعرف إلا المصالح، لذلك سننحِّى المشاعر جانبًا ونقفز إلى صُلب الموضوع.. ماذا حدث فى سوريا؟ ظاهر الأمر أن هناك عدوانًا ثلاثيًّا (أمريكى- بريطانى-فرنسى) على دمشق، لكن هذا النوع من الادعاءات لا يتفق مع النتائج! فكيف تجتمع قوى عظمى بهذا الحجم، وتلقى 103 صواريخ على دمشق، ثم تنال دفاعات سوريا من 71 صاروخًا من هذه الصواريخ؟!

لاحظ أن روسيا بعد هذا العرض المسرحى قالت إنها قد تمد سوريا بمنظومة صواريخ إس-400 الحديثة، للدفاع عن نفسها! وهنا بدأ الشك يتسلل إلى النفوس! إذا كانت سوريا استعملت تكنولوجيا روسية قديمة من منظومة إس-300 وما قبلها واستطاعت إسقاط أغلب الصواريخ، فما الداعى لتسليحها بصواريخ جديدة أكثر حداثة؟! والشىء غير المنطقى أن العراق منذ نحو 15 سنة استعمل نفس الصواريخ لصد العدوان الأمريكى على بغداد فى 2003، لكن صواريخه لم تستطع رد أى شىء! فما الذى حدث فى قدرات هذه الصواريخ العتيقة على يد سوريا؟ هل يكون الموضوع بروباجندا روسية للتسويق لسلاحها؟
الملاحظة المهمة أن الاتصالات لم تنقطع بين الروس من جانب والحلفاء من جانب آخر عبر القنوات الرسمية السرية التى تعمل لتجنُّب التصعيد فى أثناء المواجهات. خطوط الاتصال هذه تعود إلى فترة الحرب الباردة، وكانت تستعمل فى الأزمات الكبرى، بيد أن هذه المرة استعملت فى التنسيقات الكبرى، فما الحكاية؟! فى كلمتين، يبدو لى أن هناك تفاهمًا روسيًّا أمريكيًّا بدأ بوساطة إسرائيلية من أجل إخراج المشهد بطريقة تحفظ ماء الوجه للجميع. فهم يبحثون عن مخرج لأزمات متنوعة ومتفرقة لا يجمعها كلها الملف السورى، لكن من المناسب استعمال الأرض السورية لتصفيتها.
خُذ على سبيل المثال موقف أمريكا، لقد أعلنت على لسان ترامب منذ أيام قبل مسرحية الضربة الكيماوية أنها ستنسحب من سوريا، ثم جاءت القمة الروسية- التركية- الإيرانية، فأعلن البنتاجون أن أمريكا باقية فى سوريا! وكأنهم يقولون لروسيا لن تقسموا سوريا بمفردكم. ثم حدثت الضربة الكيماوية التى استدعت الهجوم الثلاثى على دمشق.
وبغض النظر عن ملابسات الضربة الكيماوية ومَن المسؤول عنها وما إذا كانت حقيقة أم وهمًا، فإن الأطراف استعملوها من أجل تحقيق أهدافهم. فما أهداف الأمريكان؟ ليس من ضمنها إخراج روسيا من سوريا، ولا تصفية نظام الأسد! فلقد ذهب إلى مكتبه صبيحة الضرب وكأن شيئًا لم يكن، وإنما هدف الأمريكان هو كسر عزيمة السوريين والضغط على بشار من أجل الوصول إلى حلول وسط، والمطلوب، إذا كانت أمريكا ستخرج من سوريا بعد انتهاء فيلم داعش، فلابد أن تخرج إيران وحزب الله أيضًا، وإلا فالعصا لمَن عصا!
وعلى الجانب الروسى، فإن إعلان أمريكا الخروج من سوريا كان يمثل عبئًا كبيرًا، فأمريكا كانت تلجم إيران وحزب الله دون عناء من روسيا، أما بعد خروجها فإن العبء سيقع على موسكو، والأخيرة تهتم بمصالح الصديق الإسرائيلى كثيرًا، ولا تريد أن تقع بين إسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى، لذلك الضربة الأمريكية على سوريا تمثل أُمنية روسية ضمنية، فالضربة ستساعد فى أمرَين، الأول الضغط على بشار كى يصبح أكثر مرونة ويوافق على إخراج حزب الله وإيران بعد انتهاء فيلم الحرب على «داعش»، والثانى أن مفاوضات السلام برعاية موسكو سيكتب لها التقدُّم، وستبرز موسكو على أنها الدولة راعية السلام فى المنطقة، ولقد استطاعت منذ أيام قليلة الجمع بين أكبر قوة شيعية وهى إيران، وواحدة من أكبر القوى السنية وهى تركيا، فى اجتماع دورى، بغرض التفاهم حول مستقبل سوريا! بمعنى آخر، استطاعت موسكو أن تسبح عكس التيار وتجمع بين مشروع سُنى وآخر شيعى على أرض سوريا وبالتوافق بينهما دون أى تحديات تُذكر، مما كشف كذب الادعاءات الأمريكية التى تريد تأجيج صراع سُنى شيعى فى المنطقة، ثم يأتى الهجوم الثلاثى على دمشق، ليهدى موسكو هدية جديدة عبر توصيل رسالة إلى حلفاء وأصدقاء موسكو بأن الغرب لن يسكت عن وجودهم فى سوريا، ولابد أن ينسحبوا حال انسحبت أمريكا من سوريا، فآخر شىء تريده أمريكا أن ترحل ثم تترك إسرائيل فى وجه المدفع الفارسى- السورى المدعم من حزب الله على حدودها الشمالية.
لذلك أغلب الظن أن ثمة تفاهمًا جرى بين أمريكا وروسيا برعاية أو وساطة إسرائيلية، وهذا ما يفسر تراجع ترامب فى نبرته من أن الصواريخ قادمة يا موسكو، إلى نبرة أخرى يقول فيها إنه لم يحدد موعد إطلاق الصواريخ. وفى هذه الأثناء جرى اتصال بين بوتين ونتنياهو، حرَّك آلة المفاوضات غير المعلنة لإبرام اتفاق، وعلى إثره أعلنت أمريكا أو سربت خططها وأين سيكون الضرب، حتى إن روسيا تحسبت لكل شىء وأبلغت سوريا أيضًا، وكأنها لا تريد خسائر، بل يبدو أن سوريا أحسنت استخدام المعلومات وأسقطت أغلب الصواريخ قبل أن تصل إلى أهدافها، ثم بمجرد انتهاء ضربة لم تستمر سوى 55 دقيقة، سارع البنتاجون بطمأنة روسيا وحلفائها بأن الهجمات انتهت، والآن تبدأ حفلة الإخراج السياسى لما حدث، وعلى الفور ينعقد مجلس الأمن لينال كل طرف من الآخر ويتوعد كل طرف الآخر، ثم ينقضى الحفل ويعود الجميع إلى عملهم الطبيعى، وتنتهى الأزمة من الفضاء العام وتدخل إلى الغرف المغلقة حيث المتاهات، ويتم الاستفراد بسوريا من أجل إخراج حلفائها وبقائها بمفردها، بحيث لا تستطيع مواجهة إسرائيل، علمًا بأننا سنتابع موضوع بيع منظومة إس-400 الروسية إلى سوريا، وهو أمر نؤكد أنه لم ولن يحدث، فآخر ما تريده روسيا هو توازن فى الردع بين سوريا وإسرائيل قبل انسحاب إيران- حزب الله من المشهد.. كل هذا مبنى على فرضية أن الأسد سيقبل بخروج حلفائه، وأيضًا مبنى على الظن بأن الجيش الأول فى سوريا سيكون بمفرده فى مواجهة إسرائيل، وكأن المنطقة لا تشعر بمخططات تقسيم النفوذ التى تدور على أراضيها، وإن غدًا لناظره قريب.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...