اشتباك الواقعى والسحرى وراء القمر

سمير درويش



 اشتباك الواقعى والسحرى وراء القمر



القدرة على المفاجأة ودقّة التفاصيل هما الملمحان الرئيسيان فى مجموعة محمد سلماوى «ما وراء القمر»، التى صدرت حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية، وهى تتكوَّن من تسع قصص مقسمة إلى ثلاثة أقسام بالتساوى: «الكُتَّاب لا يموتون»، و«دماء البحر»، و«رسائل ما بعد الرحيل».

فى بداية القصة الأولى «لحظة الحقيقة- من يوميات رحلة إسبانية»، حين يبدأ فى سرد وقائع حضور السارد عرض مصارعة الثيران، تقفز إلى سطح ذاكرة القارئ رواية «رجال وثيران» التى كتبها يوسف إدريس، فيتهيَّأ لتماس ما بين النصين، لكن -مع تتالى الأحداث- سيكتشف أن التماسَ مقصودٌ، وأن يوسف إدريس بنفسه حاضرٌ كشخصية من شخصيات القصة التى تعتمد على لعبة الزمن، فما يكتشفه إدريس الآن يعد ماضيًا بالنسبة إلى السارد الجديد، الذى هو محمد سلماوى نفسه.

تلك هى المفاجأة التى كان يخفيها، أما دقّة التفاصيل فتكمن فى الرصد الدقيق للمشاهد والشخصيات والألوان والتعبيرات والملابس والأحاسيس، وفى المعلومات التى يتعمد بثّها داخل نصه، والتى تذوب فى السياق العام دون أن تشكل عبئًا على السرد القصصى.


يبدأ محمد سلماوى معظم قصصه من أحداث معروفة لشدة شيوعها: رحيل نجيب محفوظ، وانتحار الكاتب المصرى وجيه غالى فى إنجلترا، وهو صاحب رواية «بيرة فى نادى البلياردو» التى كتبت بالإنجليزية وترجمت إلى العربية، وقصص المجازر المتتالية التى يقوم بها الجيش الإسرائيلى ضد المدنيين فى غزة، ومجزرة المسيحيين المصريين التى صنعها «داعش- ليبيا» على شاطئ البحر.. يأخذ سلماوى تلك الوقائع ويبدأ فى صنع جسد قصصى إنسانى متخيّل لها، سابغًا عليها وجهة نظره، من خلال التفاصيل الدقيقة التى يوردها، فيحوِّل جنازة نجيب محفوظ التى كان أحد أبطالها فى الحقيقة -حسب قربه منه- إلى قضية وطنية مستندًا إلى حادثة تفتيش الجثمان، لأن رئيس الجمهورية- وقتها- سيحضر الجنازة.


أنسنة هذه القصص الشهيرة بإضافة التفاصيل إليها، التى قد تكون متخيّلة تمامًا وقد تكون نتيجة بحوث واقعية، ليست التجربة الأولى فى أعمال محمد سلماوى، فقد لجأ إلى الحيلة نفسها فى قصته عن وفاء إدريس، الفتاة الفلسطينية التى أقدمت على تفجير نفسها فى عملية انتحارية ضد قوات المحتل الإسرائيلى، والتى نشرها ضمن مجموعته «وفاء إدريس وقصص فلسطينية أخرى»، والتى صدرت عام 2002، وهو ما نجده كذلك فى تحويل قصص غرق العبارات التى تحمل المهاجرين غير الشرعيين من الدول العربية إلى شواطئ أوروبا، حيث ينسج تفاصيل الحياة والمرض والشجار والحب والموت من خياله، بل ويضمنها مشاهد فنتازية غريبة، مثل ابتكار شخصية «فادى» السورى، الذى يزور السارد على المركب، ويعطيه أوراقه الثبوتية ليحفظها معه، فنكتشف عدم وجود شخص بهذا الاسم على المركب، بينما «الأوراق» كانت الوسيلة التى أنقذت السارد من السجن أو الترحيل العكسى.


الانتقال من الواقعى إلى الفانتازى والعكس سمة تميِّز تلك المجموعة، فـ«فادى» الفانتازى الذى ينتمى إلى عالم الغيب يدخل إلى قصة واقعية هى محاولات الهجرة غير الشرعية للعرب إلى أوروبا، بينما مكالمة الشهيد عمرو لأمه، الفانتازية تمامًا، هى المنطلق إلى الواقعية فى قصة «باطمن عليكى» الأخيرة، حيث اتخذها الكاتب متكأً لسرد وقائع الصدام الدموى الذى وقع أمام قصر الاتحادية يوم 5 ديسمبر 2012، حين قرر تنظيم الإخوان الذى كان يحكم وقتها، معاقبة الشباب الذين تظاهروا أمام القصر فى اليوم السابق، فوقعت مجزرة حقيقية كتبت نهاية التنظيم، وعجلت بسقوط الرئيس. يخلق محمد سلماوى التفاصيل الدقيقة التى تقود القارئ إلى تصديق أن الشهيد اتصل بأمه من العالم الآخر، بحيث لا يترك له فرصة الذهاب إلى فرضية أخرى أكثر عقلانية.



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...