رواية الفقر والبؤس والثورات المكسيكية الفاشلة

ناجى العتريس



رواية الفقر والبؤس والثورات المكسيكية الفاشلة



عندما تقرأ رواية «بدرو بارامو» للكاتب المكسيكى «خوان رولفو»، الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، والتى ترجمتها عن الإسبانية «شيرين عصمت»، وقدمها محمد إبراهيم مبروك، يجب عليك أن تفرغ ذهنك تماما لها، لأنها تحتاج إلى مجهود ذهنى؛ فهى غير مألوفة كثيرًا فى عالم الروايات، وتنتمى إلى تيار «الواقعية السحرية»، حيث يمتزج الواقع بالأسطورة.

ويرى «بورخيس» أن «بدرو بارامو» واحدة من أفضل الروايات فى الأدب الإسبانى، بل وفى الأدب العالمى كله. أبطال الرواية من الأموات ساكنى القبور «وأنت تعرف كيف يتحدثون بطريقة غريبة هناك فى الأعلى، لكن يمكن فهمهم، فالناس عندما يموتون، يصبح لديهم الكثير ليقولوه، تحكمهم قوانين أخرى غير التى نعرفها ويهمسون من عالمهم، ربما للتأكيد أن الميت لا تنتهى حياته بمغادرة عالم الأحياء، ولكن قد يبقى منه ما يفيد ويمكث فى الأرض أو العكس».


تبدأ الرواية عندما يقرر «خوان برثيادو» الذهاب إلى «كومالا» للبحث عن والده حسب وعد قطعه لأمه قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة «جئت إلى كومالا لأنهم قالوا لى إن والدى يعيش هنا، إنه شخص يدعى بدرو بارامو، أمى قالت لى ذلك».

فى الطريق إلى مقصده يلتقى شخصا أصبح دليله إلى القرية ويكتشف أنه ابن آخر لبدرو، ويرى أن القرية لم تعد مأهولة سوى بأشباح ساكنيها وأصواتهم الهامسة، وأنها تبدو كئيبة على عكس ما تخيلها جميلة مضيئة، وذلك بفعل الزمن الذى هو «عدو لدود للورود» كما يقول كاتبنا العظيم نجيب محفوظ.

تتماهى الحدود الفاصلة بين الزمان والمكان وبين الموتى والأحياء، وتأتينا هَمهمات الموتى من مرقدهم، فنتعرف إلى قصص حبهم وحقدهم، ونعرف أحلامهم. يقول خوان عن روايته: «ليس عندى ما ألوم نقادى عليه، فمن الصعب تقبل رواية تقدم نفسها على هيئة حكاية واقعية عن شيخ قرية، وهى فى الحقيقة حكاية عن الناس فى بلدتى، فى قرية ميتة، كل الناس فيها موتى، بمن فيهم الراوى الذى يروى الحكاية، وشوارعها وحقولها تهيم فيها الأرواح، والأصداء التى يُمكنها أن تنتقل وتنساب بلا عائق عبر الزمان والمكان».

يتعدد الراوى فى هذا النص، ففى البداية هو «خوان برثيادو» ثم يتحول بعد عدة صفحات إلى راوٍ خفى يلتقط طرف الحديث، ثم يتداخل السرد ويعود ضمير المتكلم على لسان «بدرو» وهو صبى، ثم على لسانه وهو رجل مسنّ، يجتر ذكريات حبه لـ«سوزانا».


تنقّلَ خوان بين سطور روايته بخفة ورشاقة، كأنك تشاهد فيلما جيدا أو تقرأ سيناريو لكاتب محترف عظيم، والجمل بها شاعرية لا تخطئها العين؛ لينقل لنا التفاصيل اليومية لحياة القرية تحت سطوة «بدرو»، وأمام أنظار الفقر والخطايا والثورات الفاشلة، وليرينا كيف استحوذ بدرو على كل المقدرات وعلى مصير القرية، وكيف تحكم فى الفلاحين وفى مستقبلهم، حتى إن القس الأب كان واقعا تحت تأثيره يقبل كل ما يقول، معزيًا ذلك إلى إرادة الرب. كانت «سوزانا» حب بدرو الكبير فلم يحب أية امرأة أبدًا كما أحبها، وهى التى «سلموها له وهى تتألم وربما أصابها الجنون»، وأقسم بعد موتها أن ينتقم من القرية التى تحت سطوته «ستموت كومالا من الجوع، ولن أفعل لها شيئًا»، وهكذا فعل وأصبحت الأرض بورًا وخَرِبة وممتلئة بالعلل والأوبئة. باختصار أصبح «بدرو» كبيرا من شىء وضيع، وهو الذى نشأ كعشب ضار، وكانت نهايته أن ارتطم بالأرض ارتطامة قاسية فانهار كأنه كومة من الحجارة، دون أن ينبس ببنت شفة.



أقرأ أيضا