الطائفية المذهبية طاعون عصرنا

نضال ممدوح 



الطائفية المذهبية طاعون عصرنا



ربما لو قرأ الرقيب الغبى رواية «فئران أمى حصة» لاستشرف مبكرا ما رأه «سعود السنعوسى» بنزاهة عيون زرقاء اليمامة التى يختص بها المبدع، وربما ما كان يتخذ قراره الغبى بمنع تداول الرواية فى مسقط رأس مؤلفها، وربما فهم ما كان وراء الكلمات التى صاغها السنعوسى واتهم بالتشاؤم، وهو لا ينقل سوى الواقع القمىء ويطلق صرخته «أنتم لا تبكون موتاكم، أنتم تبكونكم بعدهم، تبكون ما أخذوه برحيلهم يخلفونكم بلا جدار تتكئون عليه» فربما يفهم ويعى القادمون القيح والصديد الذى يتخم واقعنا العربى المهترئ.


يتحدث السنعوسى فى هذه الرواية عن المستقبل، تحديدا عام 2020، وتحديده هذا التاريخ لانفجار الفتن الطائفية والقتل على الهوية ربما وجده متلقى روايته شديد التفاؤل، حيث أجّل مشاهد الخراب والدمار وتقسيم المدينة الواحدة إلى مئات الحواجز والمناطق بين مشايعى كل طائفة وأخرى، وربما السنعوسى وهو يتابع أخبار تفجيرات القديح والعنود شعر هو الآخر أنه كان مفرطا فى التفاؤل وليس التشاؤم كما تناولت الأقلام النقدية روايته.


يتوازى السرد عبر زمنين، ما كان فى طفولة الراوى وأيامه الخوالى، وبين «يحدث الآن» الكابوسية الضاغطة على أنفاسك وأنت تتابعها، والتى تدفع الدماء حارة فى عروقك بالسؤال الشائك: ماذا قدمت الأديان للإنسانية سوى الشقاء والبؤس؟، كيف فرقت الأديان بين البشر بعضهم البعض وبثت بينهم الحقد والبغضاء وشهوة القتل والإفناء للآخر إن لم يعتنِق معتنَقى لأننى أملك الحقيقة المطلقة!، ذلك الشقاق الذى بثته الأديان لم يقتصر بين ديانة وأخرى إنما داخل الدين الواحد ما بين شيعة وسنة، دروز وبروتستانت، كاثوليك وأرثوذوكس٬ سيخ وتاميل «أخفى الورقة مجددا أسفل المقعد وأستخرج بدلا منها رزمة منشورات دعوية كتب عليها أبو بكر فى الجنة وعمر فى الجنة٬ وعثمان فى الجنة وعلى فى الجنة وطلحة و... وأدير المذياع على إذاعة الحق، هى الطريقة الوحيدة التى تجنبنى الوقوع فى مشكلات مع حياد اسمى الذى يصعب معه تحديد طائفة يفترض أن أنتمى إليها» وحينما يمر إلى الجهة الأخرى التى يسيطر عليها معتنقو المذهب الشيعى المخالف: «أرى من منتصف الجسر نقطة أمنية قبل آخره ترتفع منها الأعلام الخضراء هذه المرة، أوارى رزمة الأوراق أسفل المقعد، أدس أصبعى بخاتم عقيق أحمله دائما فى درج السيارة، أدير مؤشر المذياع على محطة أخرى تنطلق منها أصوات جماعية تنشد على إيقاع منتظم للطم الصدور أنشودة للإمام الحسين».


لم يتعلم أحد من درس الحرب الأهلية اللبنانية بكل كوابيسها ومآسيها، بكل قبحها وقيحها، لم يستوعب أحد الدرس من خروج الجميع خاسرين صفرى الأيدى، بل لم يعِ أحد التساؤل الصغير الممتد عبر الرواية «حديقة الحيوان وين» ذاك السؤال الذى غرس فى ذهن الصبى ووعيه عن السبب وراء اعتبار العمرية أو العميرية كما ينطقها الأهالى سبة لمن ينتمى إليها أو يقطنها؟


ولم يلتفت أحد إلى نبوءة «أمى حصة» التى دوما ما كانت تؤكد وجود تلك الفئران القبيحة التى تحمل الطاعون ذاك الذى يحصد الأرواح ويهلك القرى، «ليس ضروريا أن تراها لكى تعرف أنها بيننا!» الطاعون هنا ليس المرض البيولوجى اللعين، إنما تلك النعرات الطائفية والتمييز بين أبناء الوطن الواحد على أساس المذهب أو الدين أو حتى الجنس، طاعون الطائفية الذى لم تبدأ فصوله الحقيقية بعد٬ حينما تفرغ من رواية «فئران أمى حصة» لن تملك سوى إطلاق زفرة حسرة حارة وإحساس بالعجز عن تغيير ذلك الواقع الصديدى الموبوء بالطائفية والاقتتال باسم الرب، يأكلك الرعب والفزع من الأيام القادمة!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..