الفضيحة الإيطالية تكشف عنف المجتمع المصرى

د.هويدا صالح



الفضيحة الإيطالية تكشف عنف المجتمع المصرى



فى روايته التى صدرت فى طبعة جديدة «الفضيحة الإيطالية»، يقدّم لنا محمد بركة رؤية ساخرة للعلاقة بين الأنا والآخر، تلك الجدلية التى دأب الروائيون العرب على طرحها، لترصد تلك العلاقة بين الشرق والغرب، والرؤية الكوليونالية الاستعمارية للشرق من قبل الغرب، فالشرق هو مكان مغلق على مجموعة من المفاهيم الثقافية التى كرّس لها الاستعمار، إنه مركز السحر والأسطورة و«الحريم» اللاتى يتحولن إلى آلة لصنع المتعة، وينزع عنهن إنسانيتهن، ويصرن فقط نساءً للمتعة ولإرضاء السيد الرجل، فى حين يرى العربى الغرب باعتباره المستعمر القوى الذى سلبه حريته، وبالتالى حين يذهب العربى إلى الغرب يذهب ليغزو نساء الغرب بفحولته وقدرته الجنسية الهائلة، وكأن التكريس لتحويل العربى إلى مجرد آلة تصنع المتعة أو تتمتع بها كان متواطئًا عليه من قِبل طرفَى تلك الجدلية، ومن الروائيين الذين طرحوا هذه الرؤى، الطيب صالح فى «موسم الهجرة إلى الشمال»، وبهاء طاهر فى «بالأمس حلمت بك».

كما أن هناك من الروائيين من رأى الغرب باعتباره مصدر الأنوار، أنوار المعرفة والعلم فى مقابل الشرق المغيب وراء الميتافيزيقا والخرافة، مثلما طرح يحيى حقّى فى «قنديل أم هاشم»، أو توفيق الحكيم فى «عصفور من الشرق».


ويأتى محمد بركة، ليسخر من هذه النظرات النمطية للعلاقة بين الشرق والغرب من خلال قصة صحفى يتعرّف بفنانة تشكيلية إيطالية ويقع فى غرامها، ويحاول إغواءها طوال الرواية، وفى النهاية تقع الطريدة فى حبائله، وتذهب معه إلى شقته، وينال منها ما سعى إليه منذ البداية: «كم بدت هذه العبارة مطمئنة، وكافية لأن تكسر نصائح أصدقائها بتوخّى الحذر فى التعامل مع العرب، إذ قالوا لها إن كل عربى يعتبر أى أوروبية عاهرة بطبيعتها، إلى أن يثبت العكس. رغم كل ذلك، لم أندهش من استجابتها السريعة على هذا النحو».

ورغم أن الحكاية توحى بكتابة جسد تطرح مفهوم الكتابة الأيروتيكية، فإن الكاتب قام بسرد الحكاية فى لغة وجدانية تقترب من اللغة الشعرية، حتى لا يقع فى فخ اللغة الجسدانية فى جرأتها التى يسعى إليها البعض من أجل الشهرة ولفت الأنظار: «سرنا صامتين غير أن حوارًا ناعمًا كان ينفجر بيننا مثل فقاعات هائمة فى الفضاء يضيئها شعاع الغروب».


يغلب على العلاقة رغم جسدانيتها الحس الماورائى، فبطل الرواية يصنع تاريخًا لعلاقته مع اسم هذه الفنانة الإيطالية قبل أن يلتقيها، وكأنه قد بشر بها فى حياة أخرى: «كتبت فى أثناء مراهقتى قصة (زفاف ماريا) تحكى عن حفل زفاف فتاة جميلة على متن قارب صيد، أحيته فرقة من طيور النورس.. ولماذا اسم ماريا؟ ما دلالة هذا الاسم الأوروبى؟ لماذا ليس سعاد أو فاطمة أو زينب أو أى اسم آخر نابع من البيئة؟ كان السؤال منطقيًّا جدًّا، ولكننى لم أعرف له إجابة.

كيف استلهمت الاسم.. كيف خطر على بالك؟ أنا لم أختر هذا الاسم! قلت بنبرة يائسة واثقًا أن أحدًا لن يستوعب أن الاسم هو الذى اختارنى، فأنا لم أسمع به من قبل، ولم يصادفنى فى الروايات المترجمة التى اعتدت على استعارتها من مكتبة البلدية».


ليست هذه هى القضية الوحيدة التى طرحها الكاتب عبر السرد، إنما أيضًا حاول فى محاكاة ساخرة أن يعرض لقضايا الشارع المصرى، كيف تحوَّل المجتمع إلى مجتمع بلحية وجلباب وتديُّن ظاهرى، لكنه يظل مجتمعًا متلصصًا على خصوصية الآخرين، فلا مجال لأحد أن يمارس حريته حتى فى بيته، فسائق التاكسى الذى يضع شريط الكاسيت متحدثًا عن عذاب القبر فى خطاب عنيف وترهيبى هو نفسه الذى يختلس النظرات متلصصًا على الفنانة الإيطالية التى برفقة الراوى، وجيران البطل الذين يحيطون أنفسهم بتديُّن شكلى يتلصصون عليه فى شقته، فلا يستطيع أن يمارس حريته بأن يحضر فتاة معه إلا بيته، خصوصًا أنه الأعزب وسط عمارة تسكنها العائلات.

الجميع يتلصَّص على الجميع، والعنف بادٍ فى كل شىء، بداية من الزحام فى الشارع وانتهاءً بالخطاب الدينى: «حمدت الله أن السائق اكتفى بهذا القدر من مهرجان الإيمان الصاخب ولم يقلب على الوجه الثانى.

مدّ يده وأضاء المصباح الصغير فى السقف. انتظرت لأعرف ماذا يريد أن يفعل بهذه الإضاءة.

بدأ يعدل للمرة الرابعة أو الخامسة المرآة الداخلية، وعرفت السبب، يريد أن تكون الركبة العارية تحت مرمى نظراته مباشرة».

لكن محمد بركة لم يتناول هذه القضايا إلا بالسخرية منها، وهذا يتّفق مع طبيعة أسلوبه الساخر فى كتاباته الصحفية الساخرة، فهو أحد كتاب المقال الساخر فى «الأهرام».



أقرأ أيضا

البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...