اعترافات أمبرتو إيكو ونصائحه

احمد مجدي همام



اعترافات أمبرتو إيكو ونصائحه



على سبيل البوح، أو الاعتراف بما كان من الممكن أن يظل سرًّا للأبد، كتب الإيطالى أمبرتو إيكو كتابه «اعترافات روائى ناشئ» والصادر فى الدار البيضاء عن المركز الثقافى العربى، ويحمل توقيع المترجم المغربى سعيد بنكراد.


الكتاب ليس تنظيرا للسرد، أو عرضا لآليات وتقنيات وأدوات الكتابة الروائية، بل يتناول ما يسميه إيكو «حكايات السيرورة»، أو «سيرورة التفكير بالأصابع»، يقول صاحب «اسم الوردة» فى مطلع الكتاب: «كتبت روايتى الأولى اسم الوردة سنة 1980، وبذلك لا يتجاوز عمر ممارستى لكتابة الرواية ثمانية وعشرين سنة، ولهذا السبب أعتبر نفسى روائيا ناشئًا، وبالتأكيد واعدًا، لم يكتب إلى حد الآن سوى خمس روايات، وسيكتب الكثير منها فى الخمسين سنة المقبلة».


ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، الأول هو «الكتابة من اليسار إلى اليمين»، وهو نص إجابة ساخرة قالها إيكو ردا على سؤال كيف كتبت أعمالك؟ يتناول إيكو فى هذا الفصل أبعادا مختلفة لعملية الكتابة، وما يرتبط بها، فيفرق بين الكتابة الإبداعية والكتابة التوثيقية، ويشرح أن غايات الكتاب غير الإبداعيين هى تبليغ معلومات حقيقية حول الحوت أو القرود، فى حين لم يقم هرمان ميلفيل، وهو يكتب عن الحوت الأبيض أو ويليام بوروز وهو يصف طرزان ومن معه من قردة وغوريلات، سوى بإيهام القارئ بأنهما يقدمان له الحقائق، فى حين لم تكن الحكايتان سوى اختلاق وتأليف وخيال.


الفصل الثانى يحمل عنوان «المؤلف والنص والمؤولون»، ويمكن تلخيص فكرته بحكاية جاءت على لسان إيكو، عندما أرسل له صديق لم يلتقه منذ سنوات رسالة ليعاتبه بسبب إفشائه لحكاية العم شارل والعمة كاترين فى إحدى رواياته، الحكاية التى حكاها الصديق القديم لإيكو، إلا أن المفاجأة تمثلت فى أن العم والعمة هما من أقارب إيكو ولا يمتّون بصلة قرابة لذلك الصديق، الذى قدم اعتذاره لإيكو عندما اكتشف هذا اللبس، والذى حدث هنا أن القارئ تماهى مع النص وأوّله بطريقة استخدامية، هى أحد أوجه التأويل.


يبرهن الكاتب فى الفصل الثانى على اتساع عملية التأويل وخصوبتها بسؤال اعتيادى لطالما سمعه من مترجميه: «هذه الفقرة غامضة ولا أفهم الهدف منها ولا أعرف كيف أعيد صياغتها»، وهنا يضع إيكو ثلاثة احتمالات: يقر فى الأول بأنه بالفعل أساء الصياغة مما جعل الفقرة غامضة ويطلب من المترجم تجاوز مواطن الترهل فيها. أما فى الثانى فيؤكد إيكو أنه قصد ذلك الغموض ويطلب من المترجم الاحتفاظ به فى ترجمته. الاحتمال الثالث هو عدم إدراك وجود موطن خلل، إلا أن المؤلف يطلب من المترجم الاحتفاظ بذلك الغموض لحساب التشويق، إذ يكتشف بعد قراءة جديدة لتلك الفقرة أن الغموض يزيدها جمالا وعمقا!


يستحضر الكاتب فى الفصل الثالث شخصيات تخييلية، استطاعت أن تأخذ حيزا واقعيا، وأن تظل راسخة وحقيقية فى أذهان القراء، «دون كيخوته» مثلا، ذلك النهم للقراءة والذى التاث بفعل القراءة المتواصلة فى كتب المغامرات والفروسية، أو فيرتر الذى كان مثالا يحتذى به لقراءة الشباب الذين أقبلوا على الانتحار اقتداء بالشاب التعيس.


وفى الفصل المعنون «ملاحظات حول الشخصيات التخييلية»، يستشهد إيكو بما قاله ألكساندر دوما حول ميزات الروائيين مقارنة بالمؤرخين، فالروائيون يخلقون شخصيّات تقتل شخصيّات التاريخ. والسبب فى ذلك أنّ المؤرّخين يكتفون بالحديث عن أشباح، أمّا الروائيّون فيخلقون أشخاصا من لحم ودم.


«لوائحى»، هو عنوان الفصل الرابع، الذى يعرض فيه إيكو لمجموعة من الكتالوجات والقوائم المفضلة فيما يشبه توصيات ومنتخبات بعض الفنانين والمشاهير من الأدباء والمثقفين، لأفضل ما شاهدوه من أفلام أو قرأوه من روايات أو قطع فنية مختلفة، لكن إيكو لا يقف عند الرصد المنعزل، بل يضمن اللوائح فى نسيج العمل الأدبى، ويقصد بذلك تلك الحالة المفتوحة من التعداد، التى يقصد بها «إلى آخره، نهائى»..

ويسميها اللوائح الشعرية، ويضرب عدة أمثلة عليها، مثل الدعاء الذى قاله القديس إينود دى بافى فى وصف المسيح بأنه «المصدر، والسبيل، والعدل، والصلابة، والحامل للنور… إلخ.


بإيجاز، يمكننا القول إن «اعترافات روائى ناشئ» عنوان مخاتل، فالاعترافات هنا تعود لكاتب مخضرم يعرف جيدا كيف يكتب كتابا عن الكتابة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..