المرأة والعبد فى القرون الوسطى

ناجى العتريس



المرأة والعبد فى القرون الوسطى



أمتعنا د.إبراهيم الحجرى بكتابه «الإنسان القروسطى.. الملامح والعلاقات» الصادر عن المجلة العربية بالسعودية؛ إذ يعتمد فيه على نصوص الرحالة العرب خلال القرون الوسطى، والتى تحتوى على الكثير من التفاصيل الدقيقة والمتنوعة بعيون الرحالة الذين صالوا وجالوا فى البقاع والآفاق؛ ليجلو لنا صورة الإنسان وملامحه فى تلك العصور، من خلال الوقوف على تمظهراته «الإثنوغرافية»، كما تبينها هذه النصوص، موضحًا ممارسات وعادات الأفراد والمجتمعات فى تلك الحقبة الثرية التى كان فيها العرب والمسلمون يقودون سفينة الحضارة ويتربعون على عرش السيادة، إذ لم يترك الرحّالة شيئًا عند رسم ملامح الإنسان فى المرحلة التى عايشها وصوَّرها فى نصه، طارحًا فيه كل فائدة ومتعة وطرافة.


قسَّم الحجرى كتابه على فصلين، تحتضنهما مقدمة وخاتمة، متناولا فى الفصل الأول المظاهر الفسيولوجية للإنسان فى العالم الوسيطى من أسماء وألقاب وكُنَى ولباس وطعام وشراب وسلاح وزينة، مستعينًا بالنصوص التى أوردها الرحالة فى مؤلفاتهم، حيث يغوص فيها بلغة سهلة وبسيطة، مستخلصًا منها الفائدة والعبرة، ليجمع شتات تلك الصورة الممزقة والمشتتة عبر المتون، ويعطينا تفصيلات وتعاملات وخصوصيات المجموعات البشرية وتمثّلاتها الحضارية فى تلك الحقب.

ويقدم رصدًا لملامح وهيئات وسحنات أهل البلدان التى عبرَها الرحالة أو أقاموا فيها ردحًا من الزمن؛ لنخرج فى النهاية بوصف دقيق للتجليات الخِلْقية والخُلُقية للشعوب، ويقف على تفصيلات أزيائهم وحليهم وطعامهم وشرابهم وأمراضهم وإجراءاتهم الوقائية التى يلجؤون إليها لمقاومة الأمراض والأوبئة.


ويكشف الفصل الثانى عن الطقوس الثقافية المتعلقة بعلاقة الشخص بذاته وجسده ومظهره الخارجى والعلاقات التى تربطه مع الآخر، وكيف يتعامل مع الطبيعة فى ضوء المتاح له آنذاك؟ ويشرح كيف تواصل الإنسان القروسطى مع الآخرين ووسائل المواصلات التى استخدمها «الخيل والبغال والحمير والفيلة والبقر والجمال والكلاب والعربة أو العجلة»، وكيف لعب التطور فى وسائل المواصلات دورًا كبيرًا فى تنشيط الدورة الحضارية فى حوض البحر المتوسط اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا؟ وكيف كانت طبيعة النظام التعليمى واللغات التى كانت سائدة؟ وكيف كانت تنتقل السلَع والمقولات الثقافية والعادات والتقاليد من أفق إلى آخر؟ كما يعطى صورة عن القضاء فى تلك الحقبة، وكيف كان القضاة يحتلون مكانة أثيرة فى مجتمعاتهم؟


ويرصد الكاتب من خلال نصوص الرحالة، الموضوع الأكثر أهمية من الناحية الاجتماعية، وهو الزواج وما يصاحبه من عادات غريبة وظواهر تخالف ما عهده الرحالة فى منظومته الثقافية -كقتل المرأة نفسها بعد وفاة زوجها أو خِلّها فى بلاد الهند- ويقف على بعض السمات الجمالية لنساء تلك البلدان.


ويتوسع هذا الفصل فى رصد جملة الظواهر الاجتماعية، ومنها الظاهرة الأوسع انتشارًا فى عالم القرون الوسطى، وهى ظاهرة الرقّ والاستعباد التى سادت أغلب الأمم، وكان لها أسواق تروّج فيها السلع البشرية، وهى ما تعرف بأسواق النخاسة. وأورد مظاهر التعسف الذى تعرضت له فئة العبيد نفسيا واجتماعيا وجسديا؛ كالخصاء والبغاء وغيرهما من الظلم الواقع على هؤلاء الضحايا.


وبحسب الكاتب، فإنه اعتمد على رحلة ابن بطوطة دون غيرها فى الوصول إلى هدفه من الكتاب؛ وذلك لوفرة المعطيات التى تضعها بين يدى المتلقى حول الشعوب التى درسها وعرفها عن قرب خلال رحلته الشهيرة.


وأوضح الكتاب كيف كان الرحالة يقوم بعمل المترجم من خلال إيراد المقولات والعبارات الأجنبية بنصها ثم يقدم المعنى المرادف لها باللغة العربية. مؤكدًا أن الرحالة يصر على تقديم نفسه للقارئ بوصفه مترجمًا، وأن ابن بطوطة كان ينفرد عن الرحالة الآخرين بهذه الخصوصية.

لقد أعطانا الكتاب صورة واضحة المعالم عن إنسان العصور الوسطى، بواسطة «كاميرا» الرحالة العرب.



أقرأ أيضا