المقهى الشاهد على هزائم الأخيال

د.هويدا صالح



 المقهى الشاهد على هزائم الأخيال



فى رواية «باب الليل» لوحيد الطويلة، يبرز المكان/ المقهى، ليس كمسرح للأحداث، بل كبطل للحكاية التى يحمّلها الكاتب رؤيته للعالم، يتخذ من المكان/ المقهى تكأة ليس لانطلاق السرد فقط، بل لسرد خيبات وهزائم الأبطال الذين يأتون إلى هذا المقهى. يحاول السارد فى النص أن يستجلى تاريخ هؤلاء الغرباء الذين يحملون معهم خزائن خيباتهم، تعاستهم، وسعادتهم الصغيرة أيضا، نجد على مقاعد مقهى وحيد الطويلة كثيرًا من الجنسيات العربية التى تحاول أن تدفن قضاياها العامة فى تفاصيل وسرديات صغيرة وإنسانية، نجد الفلسطينى الذى لم يعد يحلم بدولة فلسطينية هناك بعد انهيار «أوسلو»، والليبى الذى يهرب من قمع ووحشية القذافى، والتونسى الذى لا يستطيع أن يرفع صوتًا ضد أصغر رجل أمن فى تونس، فما باله بالدكتاتور بن على.


 لكن الكاتب يمزج بين الخاص والعام، بين ما هو إنسانى وما هو عام، فنسمع هدير الثورات الكبرى يغطى على أصوات المقهى، فيسقط بن على ومن بعده مبارك، وتتوالى الأحلام والثورات، لكن رواد المقهى لا يندمجون سريعا فى القضايا الكبرى، بل يعودون إلى سردياتهم، وسرديات أجسادهم المسكونة بالحنين والتوق لتحقيق اللذة، يكون مقهى «لمة الأحباب» شاهدا على هزائم عدة أجيال، يشهد سقوط منظومات ودول، كما يشهد تنامى قوى ناشئة وتضاربها مع قوى أخرى، ويكون الإطار العام محملا بالفجائع الشخصية والعامة.


يحضر الجسد فى الرواية بقوة، فهؤلاء الذين يأتون إلى المقهى، رجال ونساء، يعبرون عن هوسهم بالجسد بكل الطرق، فالجسد هو الهم الحقيقى الذين يقودهم.

يحضر نص الجسد ليس من خلال تلك اللقاءات التى تجمع الرجال بالنساء فى المقهى، لكن رؤية الكاتب للجسد تحضر كعلامة لغوية بارزة فى الرواية «الجسد سيد اللعبة واللون الخمرى بوابته، والعجيزات بطاقته، وبنات محتاجات أن يعملن فى مقاهٍ غالبًا، يلقِّطن أرزاقهن، يضغطن على أمعائهن بقسوة، يعصرنها كصائمى الدهر ويدخرن ما استطعن من نقود للمظاهر، يلبسن ويمنحن أنفسهن مظهرًا براقًا وعافية وفيرة».


يقوم الكاتب بأنْسَنة الأشياء، يجعل وجودها يحتل المشهد، يهيمن على التفاصيل «فللأشياء سلطة خفية أو سلطة من نوع خاص، وأمام هذه السلطة تبدو الشخصيات الإنسانية باهتة جدًّا»، حتى باب حمام المقهى قادر على أن يحمل هذه الرؤية، كما أن الشخوص التى تتقابل خلفه «باب لزج متواطئ، يتحرك سريعًا، ثم يرتد بطيئًا كأنه يشارك بدوره فى المكيدة…. باب الرجال فى الغالب غير مقفل، موارب فحسب، ينظر عبره الواحد إلى الواحدة، يرقبها يترقبها حين تهم بالخروج، يراها فى المرآة المتواطئة أيضًا».


يقسِّم الطويلة عمله السردى الصادر مؤخرًا، على عدة أبواب، تتكامل لترسم دائرة الهزيمة والانكسار التى تغلّف أرواح الشخصيات وتقودها فى هروب دائم إلى المجهول من خيبات الواقع والمعلوم.


لا يعتمد وحيد الطويلة البنية الكلاسيكية فى بناء الرواية، بل يعتمد لغة وتقنيات القصة القصيرة، ويقسم روايته على سرديات متوازية، لا يكون معنيًّا بالتطور أو التنامى للأحداث، بل هى أحداث انتقائية، تنتخبها ذاكرة السارد ليقيم تاريخًا لشخوصه، ويستطيع القارئ أن يقرأ بعض السرديات بشكل منفصل.

ويعمد الكاتب إلى تشظى السرد وتكسيره، وكأنه يتخذ من الجمالية السردية وسيلة لتقديم رؤيته للعالم، فانكسار الحلم لدى الشخصيات، بل انكسار القضايا الكلية، وتلك الهزائم التى لحقت بشخوص مأزومة، تستدعى هذا التشظى الجمالى، وتصير التقنية الجمالية وسيلة لتوصيل الرؤية.


ويرصد الكاتب التحولات فى شخصية المثقف العربى بعد انهيار حلم القومية العربية، وضياع دور المثقف، فمن لم يستطع أن يسلم روحه للسلطة، همشته تلك السلطة وقضت على حلمه، فصار مجرد اسم وسط عالم المقهى، نجد شادى السورى من أصل فلسطينى، مثالا على تلك التحولات فى حياة المثقف المأزوم «شاعر، مناضل ووسيم، وصفة سحرية للعشق والصيد، صيد من أول يوم، انخفض سقف الروح قليلًا وارتفع مؤشر الجسد، ارتطم بشاعرة من أول ندوة ونام على وعد بالاستقرار، لم يتذكر ما قاله شاعر عن زواج شاعر بشاعرة، أجاب بسرعة: انتحار، للجسد نداؤه، رحتُ أتحسسه كأننى أكتشف للمرة الأولى أنه موجود، كأنه كان لواحد غيرى، كان يرتخى والأيام ترتخى بمحاذاته، والعمر يهرب منه».



أقرأ أيضا