لا تخشَ شيئًا فما يخشاه المرء يقع فيه

عادل صفصاف



لا تخشَ شيئًا فما يخشاه المرء يقع فيه



بطل رواية «حامل الوردة الأرجوانية» للكاتب اللبنانى أنطوان الدويهى، طبعة الدار العربية للعلوم ناشرون، يخشى فقد حريته وسره المكنون وهاجسه الأعمق فيصير قيد الاعتقال فى سجن حصن الميناء فى غرفة ليس بها إلا كوتان ضيقتان، وليس إلا صورة الطاغية معلقة على الجدار العارى ينظر إليها بلا انقطاع وقد ارتسم على وجهه ما يشبه الابتسامة، وليس إلا زيارات متباعدة لأمه يستمد منها اتزانه وثباته، وزيارات أخرى لرانيا التى التقاها مرة فى عرض الطريق فانسكبت أعماقه فى أعماقها.. التقيا مرة واحدة طبعت فى نهايتها قبلة متعجلة على خده ثم مضت حتى كان اعتقاله ففاجأته بزيارة غير منتظرة ثم زيارات منتظمة تحكى له فيها عن رعب المدينة التى يحكمها طاغية دموى.


 بطل الرواية كاتب قادر على استبطان العوالم الشعورية والنفسية وقادر على رصد الحياة الروحية، وقد شاءت له الأقدار أن يلم بالجوانب المختلفة للحياة الغربية فعقد مقارنات عميقة ما بين الشرق والغرب خصوصًا فيما يخص الحرية الشخصية والحرية العامة.


انبهر بجمال الغرب وتسربت الحرية فى شرايينه لكنه ظل ملتصقًا بالشرق حيث مكونه الثقافى والروحى، انبهر بجمال الغرب وبأجواء الحرية فيه فدفعه ذلك إلى دراسة ظاهرة الاستبداد فى بلاد الشرق وآثارها المدمرة فى الحياة الإنسانية، ورصد ذلك فى حياة الناس ثم اقترب منه تمامًا فى تجربته الشخصية مع الاعتقال.  


جاءته المحققة بعد أشهر من اعتقاله ووضعت أمامه ملفًّا أصابه بالفزع، لقد كان الطاغية وجهازه الأمنى هناك فى كل تفاصيل حياته الماضية، لا يستطيع جهاز الطاغية أن يدرك مدى الأذى الذى ألحقه بى وهو يراقبنى ويلاحقنى ويصورنى على مدى تلك السنوات الأخيرة من هجرتى، لقد لوّث بأعينه الناظرة فصولا ومشاهدات حميمة غنية بالغة الأهمية من ذاكرتى ومن حياتى الداخلية لن تعود علاقتى بها أبدا كما كانت عليه من قبل وعلى الدوام، إنه لجرح عميق فى نفسى لا شفاء منه.


ويعود إلى ماضيه الساحر مع «أنّا»، يبحث عن جهاز الطاغية كيف تسلل إلى ذلك الماضى، لقد دمر الطغيان والاستبداد حاضره ودمر ماضيه الرائع ويدفعه إلى اتجاه تدمير ما هو قادم من أيام، إن كتابًا عن حياة الطاغية هو ما سيقوده إلى الخلاص من قائمة الاتهامات الموجهة إليه والتى ستقوده إلى الهلاك الحتمى، لكنه وفى حواره مع نفسه عن ذاك يقول لو فعلت ذلك «لتغيرت علاقتى بنفسى على نحو لا أحتمله ولفقدت صفاء ذاتى وصفاء نظرتى إلى ذاكرتى وإلى حاضرى وإلى الأشخاص والأشياء والأمكنة البهية الحضور فى داخلى ولارتكبت خيانة لصورة طفولتى ولوجه والدى ووالدتى ولذكرى من علمونى ولكل من عرفت وأحببت فى حياتى، فماذا سيحدث لى الآن غير قتل روحى إذا ما كتبت هذا الكتاب؟ مستحيل أن أفعل ذلك»، فلتكن الكتابة فى نهاية المطاف سلاح الكاتب بطل الرواية يحارب بها الطاغية، ولتكن كذلك الحلم والنبوءة «وعندما تنشر هذه الكلمات فى كتاب لا أعرف عنوانه ستكون من بين اليمام الحامل براعم الزيتون المنبئ بانتهاء الطوفان المعلن فجر الحرية».



أقرأ أيضا