النخبة المصرية الفاشلة

رانيا جابر



النخبة المصرية الفاشلة



تعمد المفكر والباحث نبيل عبد الفتاح متابعة تفاعلات ثورة يناير عن كثب، من قلب الميادين وداخل وسائل المواصلات العامة، وذلك مراعاة لدقة الرصد وجمع المعلومات، التى تضمنها كتابه «النخبة والثورة» الصادر عن دار العين، وهو مزيج بين حالة استثنائية وكاتب استثنائى، فى تلك الأيام العصيبة التى كانت تمر بها مصر، والشباب يسطر طموحات هذه الدولة بدمائه، انطلق إلى الميدان ليراقب ويتابع بشغف ويشارك بأمل هذه الانتفاضة الثورية ليرصد كل المعانى التى ترجمها فى كتابه مستدعيا تاريخا طويلا من الثورة الداخلية التى كانت يفرغها فى حالة النضال الفكرى المتواصل لأجل هذا الوطن، ووجدت فى الثورة طوق النجاة نحو إمكانية الحياة بعدما فقد هو وجيله هذا الأمل منذ السبعينيات.


إن الشباب الذى أفرد له الكاتب مساحات مهمة من كتابه فى محاولة لفهم ورصد التطور الجيلى وطرق التفكير الجديدة والأدوات المساعدة من وسائط متعددة، ووسائل اتصال متنوعة، ومدى إسهامها فى تغيير الواقع المصرى والقفز خلف إخفاقات النخبة المصرية التى امتدت لعقود طويلة.


ويعكس الكتاب فى أجزائه المتتابعة المراحل التى مرت بها الثورة المصرية والتفاعلات بين أطرافها، فى متابعة دقيقة للمواجهة بين سياسة الأمل والتحديات والإعاقات فى الداخل، وحول مصر فى الإقليم والعالم التى صاحبت الثورة المصرية.


فالكتاب على حد وصف كاتبه: «محاولة لوصف وتحليل تراكمات الاختلالات البنيوية العميقة التى وصلت إلى مستوى الأعطاب فى تركيبة النخبة والدول المصرية، ولم تعد محض جروح وأمراض سطحية، ولكنها تمس نسيج الدولة، وسلطاتها ومؤسساتها وأجهزتها على اختلافها، بل ومواريثها السياسية والهيكلية، ومعناها فى الوعى شبه الجمعى للنخب السياسية، لاسيما القادمين الجدد إلى السياسة والسلطة من الإسلاميين السياسيين، على اختلاف جماعاتهم وأحزابهم السياسية الذين جاؤوا ومعهم لغة دينية وسياسية ومفاهيم بعضها يبدو مغايرا للتقاليد الخطابية واللغوية والاصطلاحية لما ساد طيلة المراحل التاريخية منذ تأسيس الدولة الحديثة والمعاصرة فى مصر».


الجزء الأول من الكتاب جاء تحت عنوان: «متن الحرية» ويحاول أن يقدم بأبوابه الستة ما سماه المؤلف هندسة لخريطة الثورة ومساراتها وتفكيكا لمكونات البيئة المحيطة بها، والديناميات الناتجة عن عودة السياسة بعد الثورة، فالكتاب ينتقل من سياسة الكرامة التى صاغتها انتفاضة الشباب فى 25 يناير إلى سياسة عدم اليقين نتيجة الخلل فى بنية الثقافة الدستورية لدى الجماعات والأحزاب واصطدامها بغايات الثورة المصرية ومتطلباتها على هذا الصعيد، ثم يتناول سياسة المؤسسة وبالأخص الأزهر والكنيسة وجماعة الإخوان المسلمين فى ضوء الدور التاريخى وتأثيرات الثورة المصرية.  


ثم ينقلنا الكتاب إلى تشريح اجتماعى دقيق للواقع المجتمعى المرتبط بالمواطنة وثقافة التمييز فى ضوء تحولات ما بعد الثورة، بالإضافة الى تناول أزمة المثقف وإدارة الثقافة فى المرحلة الانتقالية ومشكلة الصحافة، بالإضافة لسياسة الدور فى ضوء تحولات الربيع العربى والجغرافيا السياسية الضاغطة على دوله، وفى القلب منها التعقيدات الاجتماعية والاستراتيجية المحيطة بالثورات العربية، ومن ثم الانتقال للدور المصرى فى الإقليم، فى إطار حالة القوة الناعمة.  


أما الجزء الثانى الذى يحمل عنوان: «هوامش حول الحالة الانتقالية وتحولاتها وتعثراتها» فيتناول سياسة الخروج إلى النهار فى ضوء تحولات مجتمعية مؤثرة بفعل الوسائط المتعددة، واستخدم التقنيات الحديثة فى الاتصال والحشد، ودور المرأة فى الثورة وحالة المدينة فى ثورتى مصر وتونس وتأثيرها فى المشهد الثورى فى الحالتين.

هذا بجانب رصد واقع النخبة المصرية، وحالة الفوضى، والمشكلة المرتبطة بالأمن، وأزمة الدستور، وأزمة الإعلام، والخطاب السياسى، وإدارة السياسة الخارجية فى ما سماه عبد الفتاح «المرحلة الانتقالية».


والكتاب فى مجمله تشريح عميق ومتشعب لحالة وطن انفجرت كل مشكلاته بعد ثورة عظيمة، ويشعرك بأنك جزء من حالة مجتمعية رصدها الكاتب بعناية وكأنه جزء من كل مكوناتها.



أقرأ أيضا