رواية مستنقع الاقتتال الأهلى فى اليمن

علي عطا



رواية مستنقع الاقتتال الأهلى فى اليمن



«ستيمر بوينت»، هو عنوان رواية أحمد زين الصادرة حديثًا عن دار «التنوير» فى 172 صفحة، وقد كتبها خلال السنوات الأربع الأخيرة، متنقلا بين عدن والرياض وصنعاء. وترجمة العنوان هى «ملتقى البواخر»، والتسمية تخص الحى الأوروبى فى عدن، حيث تدور أحداث الرواية انطلاقا من تاريخ محدد، هو الثامن والعشرون من نوفمبر 1967، والذى جرى الإعلان خلاله عن خروج آخر جندى بريطانى من هذه المدينة وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ومن ثم بدأ فى أعقاب ذلك انسحاب القوات المصرية من مستنقع الاقتتال الأهلى هناك.


تاريخية رواية «ستيمر بوينت»، مراوغة، فقد انتهى أحمد زين من كتابتها العام الماضى وصدرت فى مستهل 2015، وبالتالى لا يمكن إغفال أنها حتما تستحضر الراهن بما يحويه من أوجه شبه مع الماضى الذى تتفحصه، خصوصا فى ما يتعلق بتورط مصرى جديد فى اقتتال أهلى يمنى، تلعب السعودية دورًا محوريا فيه، على غرار ما حدث فى الستينيات، مع اختلافات تبدو غير جوهرية.


تتحدث الرواية عن مدينة عدن اليمنية، فى الساعات الأخيرة للاستعمار الإنجليزى، وتتصدرها ثلاث مقولات الأولى لونستون تشرشل: «إمبراطوريتنا تبدأ من أسوار عدن»، والثانية لأرثر رامبو: «لا يمكنكم أبدًا أن تتصوروا هذا المكان. لا توجد أية شجرة هنا، حتى يابسة، ولا عود قش، ولا قطرة ماء عذبة، ولا ذرة تراب. فعدن قعر بركان ساكن مطمور بالرمال البحرية»، والثالثة من الذاكرة الشعبية: «عدن عدن لك بحر تغرقى به/ يا من دخل لك نسى حبيبه».


الأنا فى هذا العمل يمكن اختصارها فى «سمير» الشغوف بحياة الأوروبيين، والذى يعمل مدرسا للغة العربية ويؤمن بأنه لولا الاستعمار الإنجليزى الذى بدأ فى 1839 ما عرفت عدن تلك النهضة التى جعلت منها ثالث أهم ميناء فى العالم بعد نيويورك وليفربول.

والآخر يمكن اختصاره فى ذلك التاجر الفرنسى الذى بدأ فى عدن من الصفر ثم ما لبث أن أصبح أبرز أثريائها حتى بات يوصف بأنه «رجل عدن الذى لا غنى لها عنه».

والاثنان ربطتهما علاقة الخادم بالسيد، والغرق فى التباس الهوية، فالأول يعانى من تشكك رفاقه فى كونه عدنيا أصيلا بما أنه نزح إلى المدينة الأسطورية من مدينة يمنية أخرى، فضلًا عن استهجان رفاقه من «الثوار» لموقفه المنبطح إزاء المستعمِر ولخدماته المريبة للتاجر الفرنسى.

بينما يعانى هذا الأخير من عواقب انتهازيته، لدرجة الشعور بأنه أثرى ذلك الثراء الفاحش على حساب هزيمة وطنه الأم فى الحرب العالمية الثانية، فضلا عن فشله فى الفوز بقلب امرأة إنجليزية يهيم بها عشقا ولا تعيره هى اهتمامًا. وهكذا واجه الاثنان المصير نفسه: الطرد من جنة عدن.


عدن التى يتخذها حاليا أنصار الرئيس اليمنى عاصمة مؤقتة لليمن، يرسمها أحمد زين كيانا قائما بذاته، وكأنها تستعصى على أن تكون جزءًا من اليمن، ومن ثم قد تستعصى على أن تكون وطنا ليمنيين نزحوا إليها، بينما هى وطن لـ«عدنيين» من أصول هندية وفارسية وصومالية وحتى أوروبية، وديانات شتى.


يبدو سؤال الهوية جليا فى الرواية حين تقول بطلتها سعاد: «يصعب علىّ الادعاء أن عدن فى هذه اللحظة هى لنا»، ويشمل حكمها هذا رفاقها فى الثورة.

هى مدينة موغلة فى القدم إلى حد ربطها بأزمنة أسطورية تجعلها مهد الخليقة، أو على الأقل مأوى أول قاتل فى التاريخ. وهى اليوم تجدد شعورنا بالخطر إزاء احتمال تكرار مأساة تورطنا فى الاقتتال الأهلى اليمنى، لنستيقظ على مانشيت يشبه ذلك المانشيت القديم: «عبد الناصر يوقع اتفاقية لتسوية الوضع فى اليمن وسحب القوات المصرية فى ظرف أشهر قليلة، مع وقف المساعدات العسكرية السعودية للملكيين»!



أقرأ أيضا