«الطليانى» وتناقضات المجتمع التونسى




«الطليانى» وتناقضات المجتمع التونسى



عن دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع صدرت رواية «الطليانى» لشكرى المبخوت الفائزة لهذا العام بجائزة البوكر، وتدور أحداثها حول شخصية «عبد الناصر الطليانى»، ذلك الشاب ذو الملامح الخليطة بين الأندلسية والتركية الذى يختلف تمامًا عن والده «الحاج محمود» الذى يُعرف بورعه وتقواه.


تبدأ الرواية بمشهد لتشييع جثمان الحاج «محمود أبو عبد الناصر الطليانى» إلى مثواه الأخير، بحضور ابنيه «عبد الناصر» و«صلاح الدين» وأقاربه، إلا أنه يحدث موقف غريب عند الدفن يجعل جميع الحضور ينصرفون قبل أداء واجب العزاء، كان المتسبب فيه ابنه «الطليانى».


 «لم يفهم أحد من الحاضرين فى المقبرة يومها لِمَ تصرف عبد الناصر بذلك الشكل العنيف؟ ولم يجدوا حتى فى صدمة موت الحاج محمود سببًا مقنعًا.

كان الإحساس العام أن النار تخلّف الرماد. فأين وقار الحاج محمود وأناقته فى جبته السكرودة التونسية وشاشيته الإسطنبولى أو فى بدلته الإفرنجية وقبعته المستديرة، على حد السواء، من طيش ابنه بسروال (الجينز) وسترة (النقرى) والشعر الأشعث واللحية المعفاة؟ فحتى وسامة الفتى، التى جمعت جمال الأصول الأندلسية لأمه وجدته، ومخايل الوسامة التركية لأبيه وجده، تلاشت فى تلك الهيئة التى جعلته أقرب ما يكون إلى (هباطة) الميناء و(باندية) الحى الذين لم ينالوا ولو حظا يسيرًا من التّعليم».


هكذا ظل راوى رواية «الطليانى» يسعى ومعه القارئ لمعرفة دوافع حادثة انصراف الحاضرين قبل الانتهاء من مراسم الدفن، وذلك من خلال إعادة بناء الذاكرة الجريحة لبطل الرواية «الطليانى» مستعيدا وقائع تمتد من طفولته إلى ليلة الحادثة.


الرواية عبارة عن رحلة فى حياة طالب يسارى كان مشاركا وشاهدا، فى الجامعة التونسية وخارجها أواخر عهد بورقيبة وبداية عهد بن على، على أحلام جيل ظل يصارع من أجل طموحاته وضد انتكاسات وخيبات أصابت جيله بالكامل، سواء كان هذا الصراع بين الإسلاميين واليساريين أو نظام سياسى فاسد، كما تطرقت الرواية لعالم الصحافة، وآليات الهيمنة والرقابة على كل ما تحتويه من موضوعات، بالإضافة إلى العلاقات الجنسية والنسائية للبطل التى لا تنتهى من معاشرة باحثة الفلسفة البربرية «زينة» والاستمتاع بفنون جنس السويسرية «أنجيليكا» والهوس بمتعة الخيانة مع أستاذة التربية الرياضية «نجلاء» والسعادة بضم طالبة الفنون الفارعة الطول «ريم» إلى سجل عشيقاته.


بين الكثير من المتناقضات والتحولات تسير أحداث الرواية، حياة البطل المتحرر ومجتمع مغلق يعانى من التطرف السياسى والدينى تجعله يسير فى متاهة مكانية تتنوع بين أزقة وشعاب، ومنعرجات، وأروقة، ومنحدرات، وثنايا، ومسالك، وسكك، ومفترقات، ودروب، ومضايق وطن التونسيين، جعلته يتساءل ونحن معه، ما قيمة الحرية داخل مجتمعات تعانى الهشاشة المادية والنفسية، وتدار من خلال تشغيل ثقافة الوصاية وتأجيل الاعتراف بحرية الأفراد حتى يتم الانتهاء من معركة النماء واللحاق بركب الأمم المتحضرة؟
يتواطأ عبد الناصر أو «الطليانى» مع المستجدات الجديدة، يعيش التناقض بين مبادئه التى كان يعتنقها والحياة الجديدة التى يعيشها «لأننى اعتدت أن أعيش منذ صغرى على أن تكون لى حياة مزدوجة».

هذا التواطؤ الذى يعد إجابة غير مباشرة عن سؤال ظل يطارد أجيال كاملة من اليساريين: لماذا لم تنجح النخب اليسارية فى احتواء المواطن التونسى خاصة والعربى عامة؟ ولماذا لم تنجح فى مشروعها الاجتماعى والسياسى؟


قدم لنا الكاتب شكرى المبخوت مجموعة من التناقضات الاجتماعية الحادة، وزيف المحافظة الظاهرية التى يدعيها المجتمع، من خلال رصد شخصية الشيخ «علالة» إمام المسجد وما تحمله من نفاق مستتر خلف الإيمان الذى يخدع به أعدادا كبيرة من الناس البسطاء.

استطاع الكاتب أن يضيف للرواية بُعدًا جماليًّا وقدرة عالية على الوصف والتصوير الأدبى كما أنه عبر عن مشكلة مزمنة وتناقض أساسى عاشه وما زال المجتمع التونسى يعيشه، ألا وهى المسألة الجنسية، فتعرض بطل الرواية إلى تحرش جنسى شاذ على يد إمام المسجد فى مرحلة الطفولة، يؤكد أهمية هذه المسألة فى أحداث الرواية.


والجدير بالذكر أن رواية «الطليانى» الفائزة بجائزة البوكر العربية للرواية تتميز بأسلوب سردى متدفق بسيط، محمل بمشاهد سينمائية ممتلئة بالتفاصيل، الحوار مكثف متماسك، مما جعلها من أفضل الروايات التى صدرت فى الآونة الأخيرة.



أقرأ أيضا