وليمة هيمنجواى المتنقلة للأبد

رانيا جابر



وليمة هيمنجواى المتنقلة للأبد



لا أعرف فى الحقيقة تصنيف هذا العمل الذى بين أيدينا، هل هو رواية؟ أم سيرة ذاتية؟ أم أدب رحلات؟ ولكنى أرى أنه يجمع بين كل هذه التصنيفات وذلك بما أضفاه عليه مؤلفه أرنست هيمنجواى من أدبه القصصصى والروائى الممتع.


وكان هذا الكتاب «الوليمة المتنقلة» قد صدر فى أمريكا عام 1963، وذلك بعد وفاة هيمنجواى منتحرًا بعامين، والطبعة التى نتناولها الآن هى طبعة مكتبة الأسرة بترجمة على القاسمى، وكان له طبعتان سابقتان واحدة عن دار المدى العراقية، والأخرى عن دار ميريت بالقاهرة.


وفى هذا الكتاب يتحدث هيمنجواى عن مدينة باريس التى عاش فيها خلال فترة العشرينيات، وهى الفترة التى يطلق عليها الفرنسيون «الحقبة الجميلة» ويسرد ذكرياته والقصص الحياتية المثيرة التى مر بها، ففى باريس كان هيمنجواى مولعًا بالرهان على سباقات الخيل، ومفتونًا بألعاب الدراجات النارية، والتزلج على الجليد وصعود الجبال الشاهقة.


إنه يتحدث عن نفسه من خلال باريس التى ارتاد شوارعها، وأكل فى مطاعمها ومشى فى أسواقها، حيث إنه يصف تلك المدينة التى أمضى فيها سنوات شبابه، وكأنه يصف امرأة جميلة أغرم بمفاتنها، وحفظ عن ظهر قلب خريطة جسدها وتضاريسه.


كما يتحدث عن علاقاته المتعددة بأدباء وفنانى باريس، أو أضرابهم الذين نزحوا إلى مدينة الجن والملائكة وقضوا فيها فترة من حياتهم وخصوصًا هؤلاء القادمين من بريطانيا وأمريكا نذكر منهم الشاعرين إليوت، وإزراباوند، والروائيين فتزجيرالد وجيرترود شتاين، وجميس جويس، وقد صور هيمنجواى هذه الشخصيات بريشة أديب كبير وبأسلوب روائى ساخر وأخّاذ، وهو ما يجعلنا نقول إن هذا الكتاب هو ذكريات صوغت بشكل روائى، وقد كشف من خلال أسلوبه الساخر الكثير من أسرار وفضائح الكتّاب المشاهير فهو مثلا يصف إيزراباوند بأنه دائمًا ذلك الصديق الطيب الذى يفعل الخير للآخرين، ولا يقارن فقر الشقة الصغيرة التى يسكنها وزوجته إلا بغنى شقة جيرترود شتاين مشيرًا إلى أن إيزرا قد أسس صندوقًا اسمه «حب الأدب» بالتعاون مع امرأة أمريكية غنية مشجعة للفنون، وتتلخص فكرته فى جمع التبرعات لمساعدة الأدباء والفنانين، كما يحكى عن حادثة غريبة وقعت له عند التقائه سكوت فتزجيرالد حيث يقول: «لقد جاء سكوت إلى حانة دانجو وكنت جالسًا مع أشخاص متواضعين تمامًا، وقدم لنا نفسه كما قدم لنا لاعب البيسبول الشهير دونك شابلان، وجلسنا جميعًا نحتسى الشراب ثم تغير وجه سكوت فجأه وارتعشت أنامله، وتصبب عرقه، فما كان منا أن حملناه إلى الفراش، وقمت بجس نبضه فألفيته 72، وأصخت السمع إلى صدره وطلبت منه أن يتنفس بعمق فبدا لى صدره على ما يرام واستغربت كيف يكون مصابًا باحتقان الرئتين».


وكان هيمنجواى فى حقيقة الأمر يغار من فتزجيرالد؛ لأنه كان غنيًّا ومتألقًا فى الرواية، وكان أيضا متزوجًا من شابة حسناء تدعى زيلدا، أما هو فكان فقيرًا معوزًا لا يجد أحيانًا قوت يومه.


وفى فصل آخر يتحدث عن لقائه بالشاعر الأيرلندى إرنست والش الذى وصفه بأنه الشاعر الموسوم بالموت، حيث كان يحتفظ فى رئتيه بمرض السل، والذى رآه فى هذا اللقاء بصحبة فتاتين جميلتين من الواضح أن علاقته بهما كانت وطيدة.


وفى نهاية هذا الكتاب الممتع يؤكد أنه ليس ثمة نهاية لباريس فذكريات كل شخص عاش فيها تختلف عن ذكريات الآخرين عنها، مشيرًا إلى أنه كان يعود دائمًا إليها مهما كلفه ذلك من صعوبات، فباريس تستحق ذلك؛ لأنها تمنحك مقابلًا لما تأتى به إليها.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..