باب الأحلام الأزرق

أماني خليل



باب الأحلام الأزرق



تدور أحداث رواية «الباب الأزرق» للجنوب إفريقى «أندريا برينك» عن الرسَّام «ديفيد دو لوروا» ذى الأربعة والأربعين عامًا، يعيش «ديفيد» حياة زوجية مستقرة مع زوجته «ليديا»، يتمتعان بصحة جَيدة، ووظائف محترمة، ولكنهما لم يرزقا بأطفال، يهوى «ديفيد» الرسم، لكنه يعمل بالتدريس حتى يحصل على وظيفة ثابتة تدر دخلًا منتظمًا، حياة «ديفيد» رتيبة مخنوقة بالأحلام الدفينة والتوترات المكتومة، يتوق إلى ممارسة هوايته، ويرغب فى عيش أكثر رحابة وحرية، يشترى ديفيد استوديو ليكون مرسمًا دون علم زوجته، التى تكتشف الأمر لاحقًا ليسبب زوبعة عاتية فى حياتهما المضطربة، يقول برينك «تعلمنا أن نَتكيّف ولكن كان بيننا ذلك الوَجَع، الناجم عن ما بيننا من فراغ، وكان أحيانًا يزداد إيلامًا، كنت أرى أثره التدريجى على «ليديا» كنت أرى الفارق وهو يكبر، كيف فقدت عينيها لَمْعَة العقيق»


 الرواية القصيرة نسبيًّا تدور فى ثلاثة عشر فصلًا قصيرًا، من واحد إلى ثلاثة عشر تبدأ الرواية بحلم لديفيد بأنه مع زوجته «ليديا» فى رحلة إلى مكان ما، مصطحبين بناتهما الثلاث الشقراوات، بالرغم من كونهما لم يرزقا بأطفال فى الحقيقة، يعيش «ديفيد» فى حلمه بمفردات واقعة، وبتفاصيل عالمه الحقيقى التى تدخل معه عالم الحلم.


فى الفصل الثانى تعرف «ليديا» بشراء «ديفيد» للاستوديو، فتتهمه بأنه يؤسس «عش حب وضيع»، تستدعى تلك المشاجرة ذكرياته السيئة كونه سرق فى طفولته علبة حليب مجففة، فعاقبته والدته بقسوة ومذلة.


 يذهب «ديفيد» إلى كوخه ذى الباب الخشب بُنى اللون، الذى طلاه بالأزرق، ليدخل عالمًا جديدًا من الأحلام، يجد فى الكوخ سيدة جميلة تدعى سارة وطفليها الجميلين، تعتقد سارة أن «ديفيد» زوجها ويعتقد الطفلان أنه أبوهما، يعيش «ديفيد» مع الأسرة حياة حميمة ودافئة، تلك الحياة التى كان يتوق إليها بعيدًا عن جفاف حياته السابقة مع ليديا، يغرق «ديفيد فى سارة الغاوية والمغوية بعينيها السوداوان وقامتها الممشوقة وجسدها اللدن، وفخذيها الملفوفين، وشعرها المتموج، عيناها الناعستان الخاليتان من البؤبؤ، تفاصيل طهوها للطعام، وأطفالها المحببون الذين يغمرونه بالدفء واللطف.


 يمضى برينك فى رسم تلك الحياة عبر سطور روايته ببراعة وحميمية شديدة، الكوخ الذى يجد لوحاته _فى عالم الواقع_ على جدرانه، ألوانه، يعيش ممزقًا بين واقعه وحلمه بين إحساسه بالذنب تجاه زوجته لاشتهائه سيدة الكوخ التى يقع فى حبها سريعًا.


وتقوم الرواية على هذا الصراع المتشابك بين عالمى الحلم والحقيقة، والمرغوب والمتخيل، على طرح سؤال من أقدم أسئلة الأدب: ماذا لو منحتك الحياة بدائل أخرى لتلك التى نحياها؟.. ماذا لو شعرنا أن أقرب المقربين منا غرباء عنا تمامًا، وأن غرباء عنّا أصبح لهم الأماكن الرئيسية فى حياتنا؟.. أين تكمن سعادتنا الحقيقة فى الحقيقة أم فى الهلاوس؟.. تمضى الرواية حتى فصولها الأخيرة تقدم هذا الارتباك الإنسانى القاسى، بحث الإنسان عن هويته وسعادته، ولهذا السؤال أهميته الكبرى فى بلد كجنوب إفريقيا، بلد الكاتب، بكل تعقيداتها الاجتماعية والسياسية، يطأ الواقع بقسوته حلم ديفيد فيقرر العودة إلى زوجته، فهل يستطيع العثور عليها؟.. هل يستطيع الانسلاخ تمامًا مما حصل خلف «الباب الأزرق»، هل يستطيع نسيان الحلم وروعته والعودة إلى حياته الطبيعية بكل برودها؟.. هذا ما تجيب عنه الفصول الأخيرة من الرواية، تقول الروائية  «نادين جورديمر» عن «الباب الأزرق» هذه الرواية تمثل بحثًا جميلًا وحساسًا، لما يكتنف العلاقات الإنسانية من حيرة وارتباك، ما الذى يكمن مجهولًا، من وراء مفهوم الفرد عن الذات؟.. اهتمت كتابات برينك بالعلاقات بين البشر، ثنائية الحب والكره، ومناهضة العنف والتمييز العنصرى والإرهاب.. الرواية صادرة عن «الكتب خان» بترجمة أحمد شافعى.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..