فرويد يحلل شخصية دافنشى

محمد سيد ريان



فرويد يحلل شخصية دافنشى



من التوقعات المسبقة التى يفترضها القارئ عند قراءة كتاب يحتوى على سيرة ذاتية لأحد العظماء أو العباقرة الذين شكلوا مسيرة الفكر والفن الإنسانى على مر العصور أن يكون المحتوى عبارة عن سرد لإنجازاته وملامح نبوغه منذ طفولته ومرورًا بشبابه ووصولًا لشيخوخته، وغالبًا تبتعد معظم كتب السير الذاتية عن سرد وجود نقائص أو عيوب فى الشخصية مما يجعل من يتابع يعتقد وصوله لمرحلة الآلهة البشرية التى لا تشبه أحدًا من الناس؛ هذا هو العادى أما غير العادى فهو ما كان فى كتاب دافنشى لسيجموند فرويد الذى ترجمه الحسين الخصيرى وصدر حديثًا عن دار الربيع العربى.


فرويد فى هذا الكتاب يبدأ بداية مختلفة عبر منهج التحليل النفسى القاسى فى تحليل الشخصيات مركزًا على واحد من أهم علامات الفن الإنسانى، وهو ليوناردو دافنشى، ويظهر ذلك تعدد مواهبه وعبقريته النادرة وتفرده الغريب، وكما يذكر مترجم الكتاب فى مقدمته سرعان ما يشى لنا فرويد بافتتانه بعظمة الرجل الذى كان قِبلة إعجاب معاصريه، ومثار تساؤلاتهم ومدار حيرتهم، فحاولوا سبرَ أغواره، وفضَّ أسرار غموضِهِ التى استعصت -وما تزال- على الكثيرين، من معجبى الفنان العظيم ودارسى فنِّهِ وشخصيتِه، هذا البحث الذى شغل الناس عن مكنون عبقريةِ ليوناردو وسرِّ غموضه، لا ينسحب على كونه فنَّانا فحسب، وكون مواهبه تعددت، فانطلق يبدع فى مجالاتٍ أُخرى فى الحياة، بل يمتد بنا إلى محاولة الكشف عن جوانب العظمة فى ليوناردو الباحث أيضًا، ولعل أول الأسئلة التى أطلقها فرويد فى كتابه هذا هو عدم قدرة معاصرى ليوناردو على فهمه والوقوف على جوانب العظمة، بل والنقصان فيه أيضًا.


والكتاب يقوم فى جوهره على ملاحظة وجدت فى إحدى أوراق الرسام العظيم وهى رؤيا طفولية فيها ولكن فرويد الطبيب االنمساوى الشهير والمثير للجدل قام من خلالها بتحليل شخصية دافنشى تحليلًا نفسيًّا متكئًا عليها، وتقول تلك الرؤية أنه عندما كان فى المهد رأى نسرًا ينزل عليه ويفتح له فمه ويضربه بذيله على شفتيه عدة مرات.


وفى ضوء هذه الرؤيا فسر فرويد ذلك البطء الذى اشتهر به دافنشى وهو ينجز أعماله العظيمة، فكان عند دافنشى فى ما يرى فرويد انحرافًا جنسيًّا على مستوى اللا وعى تأثرت به حياته، وتأثر به فنه.


وقد لفت الكتاب أنظار الكثيرين فيقول عالم النفس البريطانى الشهير أوليفر جيمس عن الكتاب «لقد غيَّر كتاب فرويد عن دافنشى فنَّ كتابة السيرة الذاتية؛ فمنذ ذلك الحين لم تعُدْ السيرة الذاتية لأحدٍ مكتملةً دون أن ننقِّب فى منابع طفولته».


وذكرت جمعية الطب النفسى الأمريكية أن «فرويد حاول بشجاعةٍ الدخول إلى حقل السيرة الذاتية من وجهة نظر التحليل النفسى، واختار العظيم (دافنشى) ضحيةً له، لا يتحسَّس فرويد الكلمات لكنه ينبش القُوى الدافعة التى يعتقد أنها مسؤولة عن مميزات الشخصية التى لم تُسبَر أغوارها أو تُكتَشف من قِبَلِ كُتَّاب».


وفى رأيى أن أهم ما جاء فى الكتاب هو حديثه عن لوحة دافنشى الشهير الموناليزا أو الجيوكاندا ومحاولته تفسير ابتسامتها الغامضة وفق منهج التحليل النفسى ويربط بينها وبين ذكرى والدته، ويذكر أن تلك اللوحة تحتوى على التركيب التاريخى لطفولة ليوناردو بواسطة الدوافع الأكثر حميمية فى حياته، ويضيف فرويد أنه فى هذه اللوحة صور الرغبة المتحققة للولد المفتون بأمه فى هذا الاتحاد المبهج لطبيعة الذكر والأنثى.


هذا كتاب ملىء بالأسرار النفسية والألغاز التى توضح كثيرًا من نبوغ دافنشى وإن كانت صادمة للكثيرين فهى تشير إلى أهمية قراءة الشخصيات وفق مناهج أخرى غير مناهج البطولة الكاملة.



أقرأ أيضا