رحلة العائلة غير المقدسة

نضال ممدوح 



رحلة العائلة غير المقدسة



«اكتب عما تعرف وتستطيع».. ربما هذه هى الحقيقة الأمثل التى تراودك عندما تتواطأ/ تتورط مع «رحلة العائلة غير مقدسة» للروائى عمرو العادلى، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية للنشر، بداخل أى عمل إبداعى بكل أشكاله هناك نذر ولو قليل من عالم واقعى وشخصيات حقيقية اختبرها المبدع/ الكاتب بنفسه، ومنها يتّكئ ليخلق عالمه الروائى والسردى، ومن هنا يأتى تواطؤنا/ تورّطنا غير المعلن مع هذه العوالم المتخيلة شديدة الواقعية فى آن.


خلال رحلة العائلة غير المقدسة نزع الراوى صفة القداسة عن الرحلة وأبطالها معًا ومن المشاهد الأولى لتلك الرحلة/ الرواية التى صاغها العادلى بلغة شديدة الرشاقة ودون مجانية، تتورّط فى تلك العائلة ومسارها المفرغ اللا نهائى الذى يعيد إنتاج نفسه فى عبثية لا متناهية، تفتتح الرحلة بالراوى فى رفقة والدته «عائشة»/ عيشة كما ينادونها أو لأنها الحياة كما نعرفها، وهى تواصل جهادها فى انتقاء فضلات السوق التى يتخلّص منها البائعون من خضر وفاكهة بديلاً عن تحمل كلفة نقلها أو تخزينها، عملية تدميس الفول على شمعة اللمبة لتأمين إفطار قبيلتها الصغيرة، بطولتها فى إعادة الحياة وتدوير أى شىء وكل شىء حولها من أول حفظ قطع اللحم فى برطمان الدهن، لأنها لا تمتلك رفاهية اقتناء ثلاجة، مرورًا بتحويلها الملابس من الكبير للصغير، فمرة تقص كم قميص اهترأ لقميص بنصف كم صيفى، وليس انتهاءً باستخدام ما تبقى من نسيج تهلهل فى حياكة «مشدات صدر لها» تنتهى كخرق لحمل الأوانى الساخنة.. إلخ.


يسرد الراوى رحلته مع أسرته: والده عامل السويتش فى مستشفى قصر العينى، ولا يجنى من عمله سوى شنطة خبز تبقت من وجبات المرضى البائسين، والذى لا يتخلى عن جلبابه القصير الممزق ولا تشفع له تجربة خوض الحرب فى النجاة من هروات الميرى فى هجومها عليه وهو يعترض هدم بيته «الملك»، مَنْ ينقضى عمره دون أن يدرك له معنى واضح كشخص فى طابور طويل لا ينتهى، والجد «طلبة» الفلاح المنتهك وشقاؤه من زمن «الفلاح الفصيح»، فرحته نادرة ربما فى صورة باهتة تجمعه بعبد الناصر وهو يسلمه عقد ملكية خمسة فدادين والتى استردها الباشا مرة أخرى وعاد طلبة عاريًا مجددًا، توجعك نهايته كفرد ارتد لطفولته وكفلاح يعانى التهميش والتنكيل بالنسيان المتعمد، و«أنس» النصف إنسان بجسده المتوقف عن النمو ورضا أمه به بعد خمس سنوات من التخبط بين أروقة المستشفيات أملاً فى الإنجاب، و«فتحى» الشقيق الأكبر للراوى من شاركه مغامرة العمل ونجا من مصيره لدى «الحلاق» الأعور، و«قطة أنس» التى تتعامل معها عيشة كفرد من العائلة للدرجة التى تجعلها تعرض حياتها للخطر وهى تنقذها وباشاوات الميرى يهدمون بيتها، والراوى الذى يقوم بدور شقيقه المتوفى والذى يحمل اسمه وينوب عنه فى لعب دوره فى الحياة، بـ«سنّته» المكسورة التى أورثها أياه البلدوزر وهو يهدم بيته، ويخدعنا فى نهاية الرواية عندما يكشف لنا فى استراحة محارب أنه كان يستعيد تلك الرحلة، أما بطل الرحلة/ العائلة ووتدها الحقيقى «عيشة» تلك المرأة التى يحبها الله وتعلو بقداستها منزلة الملائكة والمصطفيات من نساء العالمين، وبعيدًا عن الابتذال، فهى الرواية، رمز مصر، فمن منا لم تمر بحياته لمحات من تلك الأمومة الفياضة والمحبة المتدفقة على كل الكائنات، سواء كانت حميها «طلبة» وهى تنظف فضلاته التى يتأفف منها ابنه أو وهى تمنح عن طيب خاطر «قاعدة» الحمام التى حظيت بها بعد معركة طاحنة لجارها العجوز.



أقرأ أيضا