فى صحبة «لصوص النار» الممتعة

محمد حسن



فى صحبة «لصوص النار» الممتعة



تقول الأسطورة إن بروميثيوس كان محبًّا للبشر على العكس من زيوس، فقرر أن يسرق النار من جبال الأوليمب ويمنحها لهم، لكى ينعموا بالدفء فى برد الشتاء، ولمَّا علم زيوس بذلك علَّقه بسلاسل حديدية على جبل القوقاز، وفى كل صباح كان النسر العملاق «أثون» يأتى لينهش كبده، الذى كان ينمو فى المساء، فيعود النسر لينهشه مجددًا، وهكذا. ورغم هذا العقاب الأبدى لبرومثيوس، فإنه كان سعيدًا لأنه سرق قبس النار ومنح سكان الأرض الدفء والمعرفة والتقدم.

من وحى هذه الأسطورة عنونت الشاعرة والصحفية اللبنانية جومانة حداد كتابها «صحبة لصوص النار» الذى أعادت دار «أثر» نشره مجددًا العام الحالى، وهو محصلة حوارات لصاحبته مع كبار كُتّاب العالم.
المعنى واضح إذن، هؤلاء الكُتّاب هم «برومثيوس عصرهم»، هم لصوص النار الذين يضيئون للبشرية طريق تقدمها ومعرفتها.
يضم الكتاب حوارات مع 13 أديبًا عالميًّا، هم: الإيطالى أمبرتو إيكو، والبرتغالى جوزيه ساراماجو، والفرنسى إيف بونفوا، والأمريكى بول أوستر، والبرازيلى باولو كويلو، والنمساوى بيتر هاندكه، والبيروفى ماريو فارغاس يوسا، والنمساوية إلفريدة يلينيك، والإيطالى أنطونيو تابوكى، والفرنسى من أصول مغربية الطاهر بن جلون، والإسبانى مانويل فاسكيت مونتالبان، والتركى نديم غورسيل، والأمريكية من أصول إفريقية ريتا دوف.
صدر الكتاب للمرة الأولى عام 2007، وأجريت الحوارات فى الأعوام 2003 و2004 و2005، ونشرت قبلًا فى جريدة «النهار».
يكشف لنا الكتاب سمات شخصية من كل كاتب قبل بداية الحوار، فإيكو مثلًا براجماتى ومحدد ودقيق، بينما كويليو «روحانى» وكلامه أقرب إلى الوعظ والمباشرة، بينما يبدو ساراماجو صادقًا مع نفسه فى نظرته المتشائمة للعالم كى يصبح أفضل، وبن جلون كثير السفر والترحال، أما دوف فإنها «تعزف التشيللو، وتمرن صوتها، وترقص، وتحلم، وتقرأ، وتكتب، وتحب».
يمكننا بسهولة تلمُّس محاور ثابتة فى كل الحوارات، فثمة أسئلة لكل كاتب تتعلق بمعنى الكتابة ونظرته إلى المردود المادى منها، وعلاقتهم بالتكنولوجيا وأجهزة الكمبيوتر، وموقفهم من الدين والوطن.
الإيطالى أمبرتو إيكو صاحب «اسم الوردة» يقول إنه «ضد أية رؤية رسولية للكاتب»، لذلك فإنه يعتبر أن كسب المال من وراء الروايات «حقه الطبيعى والشرعى»، ومثله -لكن بنبرة أرق- بول أوستر الذى يرى أنه محظوظ للغاية، لأنه قادر على أن يعيل عائلته من الكتابة: «أنا ممتن حقًّا للحياة ولقرائى على هذه المعجزة»، بينما لا يريد الإيطالى أنطونيو تابوكى من الأدب إلا «فضاء حريته اللا نهائى».
لكن إيكو وأوستر يختلفان فى موقفهما من تحويل أعمالهما إلى السينما، نجد الفيلسوف الإيطالى غاضبًا مما حدث لروايته الشهيرة «اسم الوردة»: «زاد الفيلم القيود الموضوعة على خيال القارئ، وألغى الفسحة التى أحب أن أتركها لقارئى لكى يشارك فى خلق الكتاب»، ثم يعلق على المكاسب التى حققتها الرواية جراء تحويلها إلى فيلم وبالتالى زيادة مبيعاتها: «أحدهم أخبرنى عن صبية دخلت إحدى المكتبات، وهتفت عندما رأت الكتاب معروضًا: (آه، لقد حولوا الفيلم إلى كتاب!)، يا لسخرية القدر».
عكس ذلك يبدو أوستر الذى يقول: «يعجبنى أن توحى كتاباتى رؤية ما إلى فنان آخر، أكان رسامًا أم موسيقيًّا أم مسرحيًّا أم راقصًا أم سينمائيًّا. أجد هذا التفاعل الخلاق مع كتبى جميلًا، وأفتخر به طبعًا».
من بين «لصوص النار» ثمة ثلاثة كتاب فازوا بجائزة نوبل، منهم واحد هو يوسا حصل عليها بعد سنوات على الحوار، لكن يبدو أن الجائزة العريقة لم تغير من طبائعهم، بل إنها ضايقتهم فى أحيان كثيرة. يقول ساراماجو: «الجائزة انتهكت بعض تلك الحميمية الغالية على قلبى (الحياة البسيطة)، لكنى لم أزل الشخص نفسه الذى كنته قبل (نوبل)، أعمل بالانتظام ذاته، لم أغيّر عاداتى، أعيش فى بيت هادئ جدرانه مصنوعة من الكتب، أصدقائى هم أنفسهم، ولم أحِد عن دربى، لا ككاتب ولا كإنسان، لم تحولنى الـ(نوبل) رجلًا آخر، لا إلى الأفضل ولا إلى الأسوأ».
أما النمساوية إلفريدة يلينك فتقول: «الجائزة اخترقت فى شكل مفاجئ عزلة حياتى.. يكفى أنها رمتنى بين أذرع الجماهير رغمًا عنى، وأنا لا أستطيع احتمال الاهتمام والانتباه والفضول الذى يرافقها لا محالة».
ثمة «تلسين» غير مباشر بين كاتبَين نلحظه، نقصد هنا البرازيلى باولو كويلو والفرنسى الطاهر بن جلون، إنهما على النقيض تمامًا من رؤيتهما للكتابة ومدى فاعليتها وتأثيرها. يقول الأول، الذى وجهت إليه المحاورة أسئلة لاذعة: «أستطيع أن أؤلف كتابًا معقدًا جديدًا كل أسبوع، لكنى أوثر بدلًا من ذلك أن أؤلف كتابًا بسيطًا ومباشرًا كل عامَين: كتاب بلا زخرفات أدبية ويخترق قلوب الناس. المعقد لن يفهمه أحد». بعد صفحات نجد بن جلون يرد على هذا الكلام، ويستخدم اسم كويلو تحديدًا: «لا شك عندى أن الكتاب (السعيد) ممل جدًّا. إنه فى شكل ما الكتابة على طريقة باولو كويلو. الكتابة اللطيفة و(المهذبة). كلا، ينبغى على الأدب أن يثير، أن يزعج، أن يقلق، أن يصفع. يستحسن لمَن ينشد الهدوء أن يتناول حبة منومة».
الجنس الآخر فى حياة أغلب الكتاب فى الحوارات «شريك حياة» حقيقى، وسواء أكان الأديب رجلًا أم امرأة نلحظ ذلك الامتنان الكبير لزوجته أو زوجها. يحكى ماريو يوسا عن رفيقة دربه: «أنا وباتريسيا معًا منذ ما يزيد على أربعين عامًا. منذ رأيتها للمرة الأولى عرفت أنها امرأة حياتى. أحيانًا يعطى الإنسان فى بعض اللحظات النادرة أن يكون نبيًّا، ولقائى بباتريسيا لحظة نبوتى». أما الشاعرة الأمريكية ريتا دوف، فترى أن الشغف وقود للمشاعر تجاه زوجها أو نفسها أو شعرها: «الحب هو أن تهتمى بشخص آخر أكثر مما تهتمين بنفسك، ولقد كنت محظوظة على هذا المستوى بلقائى شريك حياتى وقلبى فريد. لكنى أحب نفسى كذلك، إذ لا تستطيعين أن تحبى أحدًا ما لم تحبّى نفسك فى الدرجة الأولى. وما دام هناك شغف فى القلب والطباع، وخيال فى الرأس، لا أخاف على الحب الحقيقى فى حياتى».
فى الحديث عن مفهوم «الوطن» لدينا كاتبان من جنسيتَين مختلفتَين، لكنهما وقت إجراء الحوار معهما كانا مقيمَين فى فرنسا: الأول هو النمساوى بيتر هاندكه، والثانى هو التركى نديم غورسيل.
عندما سُئل هاندكه: هل تؤمن بكلمة وطن؟ قال: «أصبح وطنيًّا نمساويًّا فقط عندما يهاجم أحدهم بلادى، أكان ذلك بالكلام أم بطريقة أخرى. لست وطنيًّا سلفًا. أنا وطنى كرد فعل». فى حين يحكى غورسيل بأسى: «شيئًا فشيئًا لم تعد إسطنبول مدينة أرجع إليها، بل غدت مدينة (أذهب) إليها. أحس بأنى فقدت تركيا إلى الأبد كاحتمال عودة نهائية».
فى الكتاب، نستطيع أن نجمع مشتركات بين أغلب «لصوص النار» هؤلاء، هناك هجاء أو عدم رضا على الأقل عن «النموذج الأمريكى»، يظهر ذلك عند أوستر الذى يزدرى «الصناعة السينمائية الهوليوودية»، وأيضًا فى صراحة ساراماجو، إذ يقول عن أمريكا بعد 11 سبتمبر: «لقد أدرك الأمريكيون -أو على الأقل آمل أنهم أدركوا- أصوليتهم وأنانيتهم ووقاحتهم التى تجعلهم لا مبالين إزاء ما يحصل خارج حديقتهم الصغيرة. لقد اكتشفوا الآخر واكتشفوا الخوف معه. فهنيئًا لهم بهذا الوعى!». أما إيكو فإنه عندما سُئل عن رأيه فى ظاهرة «الاستعمار الثقافى الأمريكى» للعالم، رد: «أؤثر عدم الإجابة عن هذا السؤال».
إجمالًا، ثمة تأكيد كبير من أغلب الكتاب على أهمية «الكتاب الورقى» بالنسبة للبشر، ولأسباب مختلفة، مع ذلك فإنهم يقدرون دور التكنولوجيا والإنترنت إلى حد كبير، لكن الملاحظة المؤسفة أن الأدب العربى لم يصل إليهم بالشكل الكافى -باستثناء مرور بعضهم على أسماء مثل صاحب نوبل العربى نجيب محفوظ أو أدونيس أو أمين معلون- لكن لنقُل صراحة إن أغلبهم قصّر فى أن يذهب إليه بنفسه.

 



أقرأ أيضا

فن

غاب القمر

في مسلسل "لعبة العروش" الشهير بأجزائه المتعددة، ستجد استلهامًا دراميًّا للتراث الأدبي العالمي كله، ستجد مسرحيات شكسبير و"ألف ليلة وليلة"، وستجد عديدًا من القصص التي تم اقتباسها دون تردد أو أدنى إشارة.
البلد

الغزو التركي الماكر للأراضي العربية

الاجتياح التركي لشمال سوريا العربية، سيسمح بعودة «داعش» للمنطقة التي طرد منها، بل إن بعض سجناء «داعش» قد تمكنوا بالفعل من الفرار والهرب من السجون، حيث أسهمت العملية العسكرية التركية في فرار عناصر «داعش» من السجون التي كانوا يحتجزون فيها من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحتفظ بأعداد كبيرة منهم هم أخطر عناصر وقادة «داعش»...
يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...