الفراشة الزرقاء

عادل صفصاف



 الفراشة الزرقاء



ثلاث حكايات للجدة وحكاية عنها وحكاية الراوى مع «س» تصنع لُحمة السرد فى رواية ربيع جابر «الفراشة الزرقاء» الصادرة فى طبعتها الثالثة عن دار التنوير للنشر، غرام بالتفاصيل وامتداد فى الزمان وسياحة فى المكان تصنع عالما روائيا مكثفا، وبناء هندسى يتمتع فيه الكاتب بحرية هائلة يتنقل كما الفراشة فى الرواية من الخارج والرواية من الداخل.


وعلى لسان الراوى العليم ينمو نسيج الرواية، والحكاية عن «س» لا شىء فيها مدهش أو جديد لكنها منحت الكاتب قدرة هائلة على الغوص فى العوالم النفسية والشعورية للأشخاص، وتنزلق المصائر فى الرواية إلى نهايات فى مجملها مأساوى كما تنزلق قطرات الماء على سطح أملس.


حكايات ونهايات تجعل الراوى يقول: «فجأة بدا لى أن العالم كله مزيف»، ما بين السقوط إلى هاوية الجنون أو الموت فى غياهب السجن أو الموت مريضا وغريبا أو الموت مفجوعا ومحاصَرا بالخيبة وضياع الحلم.


«سهيل بابازواغلى» أحد شخصيات الرواية، يُسجن لثلاث سنوات لأن شعاع الشمس سقط على الأسورة التى كان يسرقها فانتبه صاحب المحل الأعرج، ويلتقى فى السجن بإبراهيم فيوصى له بالأرض التى تقوده إلى البلدة، ولكن يلتهم الجراد حقله فتقتله الفجيعة وتحطم قلب حفيده وتحطم حياته وتعتصر قلب الجدة زاهية، ويغترب حفيداه فيموت أحدهما فى بلاد الغربة مريضا ويعود الآخر بعد ثلاث وثلاثين سنة ليموت غريبا حيث لا تجب الغربة، ويوصى بالنُّزل الذى بناه على قطعة الأرض القديمة للجدة زاهية فتوصى به لحفيدها، ويدور بينه وبين أسرته صراع حول بيع النُّزل الذى يكتسب معنًى إنسانيًّا عميقًا ويدور حوله الصراع الرئيسى فى الرواية.


البلدة التى تشهد الجانب الأكبر من الأحداث فى الرواية يعمل أهلها فى تربية دودة القز وصناعة الحرير، وإلى هذه البلدة تمضى الأقدار بـ«بروسبر بورتاليس» الذى رأى الفراشة الزرقاء فى طفولته «أنا رأيتها وكانت زرقاء وصعدت إلى السماء وكنت أرى الضوء يخرج منها ثم اختفت» فظل عمره كله يبحث عنها وعندما لم يجدها ثانية وعندما استشعر دنو الأجل أوصى الجدة زاهية التى فيها من الفراشة شبهٌ «أنا أريد أن أُدفن بثيابى هذه ولا أريد من أحد أن يغسلنى أو يلمسنى، لكن هناك مسألة العينين فقد أموت مفتوح العينين وعندئذ يتوجب أن يغمضهما لى شخص ما، إنى فقط أطلب منك هذه الخدمة».


إن الحدس لدى شخصيات الرواية يسهم وبقوة فى صناعة الحدث ونموه ويضفى على الرواية جوًّا مثاليًّا وعبقَا شعريًّا، وقد أفرد الكاتب لذلك حديثًا خاصًّا أسماه «الرؤية فى الظلام» فضلا عن تناثره فى زوايا الرواية، ثم إن الجوانب المضيئة والإيجابية فى الرواية فى مقابل المساحات المظلمة والسلبية التى تمتد بطول الرواية وعرضها، وما تمثله «الفراشة الزرقاء» وما يمثله البحث النفسى والشعورى عن هذه الفراشة التى تتجاوز فى مضمونها إلى معانٍ رمزية ومعادلات موضوعية تتسع باتساع الحياة، وتراوغ كما تراوغ حقائق الحياة، كذلك القيمة الكبرى للكتابة التى توازى الحياة وتضاهيها وتصير بديلاً ممكنًا عنها «النُّزل يجب أن يبقى كى لا تموت الحكاية، أما الآن وقد كتبتها فما الضرورة من بقاء النُّزل».



أقرأ أيضا