المرأة الخادمة تصنع الحضارة

رانيا جابر



المرأة الخادمة تصنع الحضارة



فى رواية «الحضارة أمى» الصادرة مؤخرًا فى سلسلة إبداعات عالمية بالكويت، يستخدم كاتبها المخضرم إدريس الشرايبى أسلوبه الساخر ليضحك على العادات والسلوكيات البالية فى مجتمعه دون أن يفقد صرامة المهندس الكيميائى.


إدريس الشرايبى المرح، كانت هى الصورة التى ترسخت فى أذهان قرائه. كان حريصًا أن يعود لمسقط رأسه، إلى الأرض التى بعثته سفيرًا للغرب، والتى رأى فوقها النور وليدفن فى ترابها، إنه يقول فى مقدمة روايته التى كتبها بالفرنسية وترجمها سعيد بلمبخوت: «ها هى الجنة التى كنت أعيش فيها سابقا، البحر والجبلين إنها السعادة بمعنى الكلمة، قبل العلوم وقبل الحضارة والوعى. كم تمنيت العودة إلى هناك، أن تكون آخر أيام عمرى فى ذلك المكان».


قال إدريس الشرايبى مستجوبا فى ظل الاستعمار الفرنسى: «لقد لزمتنى عشر سنوات لأذهب إلى أقصى تمردى. أنا، أذهب دائما إلى نهاية المطاف، إذ لا أتنازل عما أومن به». فى أحد استجواباته التليفزيونية نتذكر كلمة قالها: «كم تمنيت أن أكتب باللغة العربية».


رواية الحضارة أمى، جاءت للبحث عن الإجابة المقنعة لسؤاله الوجودى حيث يحاول الابن مساعدة أمه للخروج من عزلتها.

بدأت تتحرر تدريجيًّا من خوف زوجها الذى لم يكن شريرًا أو مستبدًا وإنما كان متشبثًا بالتقاليد. تعرفت على محيطها والمجتمع وتصيح بأعلى صوتها فى وجه الجميع.


أربع شخصيات رئيسية: الأم، والأخ نجيب، والأب، والراوى، فى فترة كان فيها البلد تحت وطأة الحماية الفرنسية. فترة رأى فيها الراوى التحولات فى مختلف المجالات، كانت أمه بدورها تعيش الفترة، كانت لها حواس وأفكار، المؤثرات المحيطة تركت مفعولها. من طفلة يتيمة خادمة فى البيوت إلى زوجة لرجل برجوازى. الرجل البرجوازى كان هو والد الراوى، بينما كان الزوج غارقا فى أعماله بعيدا عن الأسرة، يتدخل الأبناء، ليخرجوا أمهم المحبوسة فى الدار مثل جل الأمهات.


علموها أن تلبس لباسا عصريا، أخرجوها إلى الأماكن التى لم ترها أبدا والتى كانت جد قريبة منها، رأت كل المدينة ثم كل أرجاء البلاد.


فى الجزء الثانى من الرواية يتغير الراوى.. الابن الصغير ينتقل إلى فرنسا للدراسة، ويبقى بقربها ولدها نجيب الذى قاطع الثانوية مبكرا ليتعلم الحياة بطريقة أخرى.


وبعد الفراق وآلامه المرة، الأم تتعلم القراءة والكتابة، وتتعلم الحياة، وبدأت تعرف العالم عبر كل الوسائل، ومن تلك الوسائل دخل المذياع إلى بيتها، وبدأت تتابع ما يجرى فى العالم. وحصلت على الشهادات، وانخرطت فى العمل السياسى والاجتماعى. تمردت. كانت تبحث عن حريتها وعن حرية كل النساء.

وفى أثناء الحرب العالمية كانت تجوب البلد من أجل توعية النساء. واستطاعت أن تسافر طولا وعرضا ثم إلى الخارج لتلتحق بولدها برفقة نجيب.


وهكذا اكتشفت عالما غريبا بلا ضمير، كانت الدول الكبرى تستغل قوتها للهيمنة على العالم، وبعدها كانت الحرب العالمية تحصد الأرواح. بعد طول معاناة استسلم الزوج لتغيراتها، وندم على حبسها طوال تلك السنين، بدأ يدعمها بماله لكى تقوم بأنشطتها السياسية. «هل قلت إن أمى كانت خائفة على ما يقع فى العالم؟ لا أليس كذلك؟ لم تكن خائفة مطلقا من الكلمات، ووراء الكلمات كانت تبحث على الحقيقة ثم وراء نكران الذات، لقد كانت تدق كالماء على أبواب الأحزاب».


ومع خروج الأم إلى عالمها الجديد تحدث لها نقلة نوعية فى حياتها وشخصيتها من إنسانة جاهدة إلى متعلمة، من شخصية منغلقة إلى امرأة لها اهتمامات اجتماعية وسياسية وثقافية. إننا إزاء رواية تمتلئ بالأحداث المثيرة والمشوقة التى سينتقل القارئ بين تفاصيلها بيسر وتلقائية.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.