العصفور والقذيفة فى سماوات دمشق

رانيا جابر



 العصفور والقذيفة فى سماوات دمشق



فى رواية «عطار القلوب» الصادرة مؤخرًا عن دار فضاءات، تدور كل الأحداث تحت الطاولة فى أثناء موجة قصف وفى الزمن الحقيقى للرواية، ومن خلالها يمضى الراوى بعيدا فى الذاكرة لتقوده التداعيات نحو أزمنة أخرى، لكنه مرتبط بقسوة اللحظة، ورعبها، ومشدود إلى عائلته التى تشاركه مكان الاختباء الضيق.


يحاكى محمد برهان الموت السورى بقصص مشابهة جرت فى زمن مضى بطريقة التلميح، واثقا فى ما يقول، ليبنى على الحكاية ارتكازات الحياة والموت معا، فى هذا الاتجاه يقول «إن الهول الذى عاشته سوريا فى السنوات الأربع الماضية لم يقتصر على قسوة ومباغتة الموت المجانى أو الخراب الذى حل بالبلاد، بل فى هذه اللا مبالاة الإنسانية تجاه ما يجرى والذى جعل كل سورى يعيد النظر فى تقييمه لمفهومه الإنسانى»، ثم يؤكد أن هذا الحاضر ما هو إلا نتيجة للماضى الذى عشناه، لذلك عاد محمد برهان إلى الماضى ليرى كيف تعامل العالم مع أزمات المنطقة وشعوبها، ويصف المشهد بأنه مهول، فلا يمكن أن ننظر إليه اليوم بهذا القرب، لأننا لن نعى حقيقته قبل أن ينقشع غبار الحرب وندرك حقيقة ما خسرناه من إنسانيتنا.


ومع تنوُّع أساليب الموت السورى فى طريق الآلام الطويل الذى لم ينتهِ بعد، يؤكد برهان أن الصمت والالتزام بعدم تقديم موقف سياسى -أيًّا كان هذا الموقف- هما شكل من أشكال البلادة، لا تتفق مع روح الإبداع ورسالة الأدب، فالوقوف على الحياد من قِبل رواد الكلمة والعمل العام فى هول المحرقة السورية هو تقاعس لن يغفره التاريخ.


بدأ زمان الرواية فى دمشق، فكان الفضاء مكانًا لعصفور وقذيفة قامت بينهما حوارية مذهلة اختصرت جدلية الحرب برشاقة فائقة، ليسأل العصفور القذيفةَ والقذيفة العصفور عن سر قدوم كل منهما، فى دلالة رمزية تشير إلى الموت القادم من كل مكان، فى تلك الحوارية تنتصر القذيفة لتكمل مهمتها بينما يفقد العصفور طريقه فى رحلة الموت ولا يعود إلى عائلته التى تنتظره، تلك الإشارات كانت اختزالا لكل ما حدث ويحدث، يقول برهان «إن الحرب هى أبشع ما اخترعته البشرية، وأيضًا السلاح هو أقذر منتجات الإنسان فى تاريخ وجوده على وجه الأرض».


ومن هنا كانت البداية فى «عطّار القلوب» بحوارية الخبث والبراءة، البشاعة والجمال، الموت والحياة، العصفور الذى يهرع بفتات الخبز المبلل إلى فراخه، والذى ينوى بناء عش جديد من القش، وبين القذيفة التى تحمل البارود والنار، والذاهبة لتدمير الأعشاش والأكواخ والبيوت، إنها جدلية الحب والحياة التى تلازمنا على الدوام.


محمد برهان قادم إلى الأدب من عالم الصحافة، وهذا يتجلَّى بشكل واضح من خلال تقنية الصورة التى يستخدمها بسلاسة فى الانتقال من مشهد إلى آخر، فالرواية عنده كما يقول هى تحقيق صحفى موسع وإن كان مختلفًا فى اللغة، بهذا التفكير البنيوى يشرع برهان بالعمل، فيضع مخططا للفكرة الروائية ليبدأ باستجلاب تفاصيلها شيئا فشيئا وفق بناء مدروس، فدراسته للصحافة، وممارسته لها على مدار عشرين عاما أضفت على تقنياته الكثير من التأثير، لذلك فالرواية بقلمهِ هى أقرب إلى الصحافة الاستقصائية، ومن ناحية أخرى فإنه يحرص أن يولى اهتماما خاصا بالمشهدية التى تحيلنا إلى الكثير من الرموز والإشارات المعبرة.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..