ليبيا بين من يحكم وكيف تُحكم

عبد الرحمن شلقم



ليبيا بين من يحكم وكيف تُحكم



 

هل يكون للدمِ عرس؟ نعم ذلك ما قاله غرسيا لوركا في مسرحيته التي كتبها تحت هذا العنوان. كانت تلك المسرحية واحدة من أعماله العديدة التي دارت حول الأوضاع السياسية والاجتماعية في إسبانيا التي كانت تعيش في دوامة تخلف ولَّدت الانتقام والخرافات الدينية والجهل والدم.
 
كل ذلك أسهم في إنتاج الطغيان السياسي العنيف. بعد سنوات ثلاث من كتابة تلك المسرحية، قبض عليه رجال الديكتاتور الجنرال فرانكو وأطلقوا عليه النار. الحرب الأهلية الإسبانية، كانت تجسيداً لتلك المسرحية بلباس المقاتلين وعلى خشبة جسد الوطن. كانت الحرب في البداية بين الملكيين والجمهوريين. اتسعت داخلياً وبدأ التدخل الخارجي بالسلاح والمقاتلين يتدفق على ميادين الحرب. في البداية اعتمد الجنرال فرانكو على مقاتلين مغاربة ثم انضم إليه مناصرو الملكية الإسبان وجاء الدعم الخارجي للطرفين. صار العرس الدامي ينتشر دماً راقصاً وقتلاً بعزف التخلف والحقد وتصفيق جنون السلطة الطاغية.
 
رصاصة الانطلاق كانت من بندقية تقول: أنا سأحكم، وتدفق الدم الذي غرقت فيه إسبانيا لسنوات.
في ليبيا انفجر الدم في البداية غضباً له أسباب عديدة، اجتهد الكثيرون في الحفر عن دوافعها ولا تزال فؤوس الحفر تفعل.
 
اليوم بعد المعارك العنيفة التي ولول الدم فيها وفقدت البلاد جحافل الشباب من جميع أنحائها، يتجسد مشهد سياسي وعسكري غاية في التعقيد. الجميع تقريباً يتحدث عن الحل السياسي السلمي عبر آلية الحوار بين الأطراف الليبية، لكن الأقوال في كثير من الأحيان هي صوت المراوغة المتربصة التي تنتظر تحولات موازين القوة على الأرض.
 
لعنة الجغرافيا التي لم تغب عن ليبيا عبر التاريخ القديم والحديث، كان لها الفعل القاسي. كيان على الأرض وسط صحراء قاحلة، بلا أنهار أو أمطار. مكان طارد للبشر. الحياة تقوم أساساً على الأنهار، حيث يتجمع البشر حولها يبنون ويزرعون ويستقرون. الاستقرار يلد القانون ويفرض عقلية التعايش. عندما يختلف الجيران، لا أحد منهم يغادر المكان مغاضباً جاره فهو لا يستطيع حمل بيته أو أشجاره فوق جمل ويرحل في رحاب الصحراء. لا حلَّ إلا بالتفاهم والتنازل وتحكيم القانون. ليبيا هي الأكبر مساحة بين الدول المجاورة لها بعد الجزائر وفي الوقت ذاته هي الأقل سكاناً.
 
عاش أهلها في بقع متباعدة قليلة السكان، إلى اليوم هناك من يطلق على منطقته وطناً.
منذ وصول الفينيقيين إليها، كانت دوافع القادمين غير مالية بل جغرافية، سواء للتجارة بين البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، أو للعبور إلى شرقها وغربها كما فعل الفاتحون المسلمون القادمون من الشرق أو الفاطميون القادمون من الغرب. الأرض الواسعة قليلة السكان، أضاف لها التراب مُعطى ثقيلاً، إنه النفط. تحولت الأرض التي يعبرها الكثيرون إلى أرنب وغزال يحوم فوقهما الصائدون ويقتحمونها عندما تهب رياح الخلاف بين أهلها المتساكنين في مساحات متباعدة. صيغ الحكم تباينت بقوة من الرومان إلى ما بعد الفتح العربي والعهد العثماني والاحتلال الإيطالي. بعد الاستقلال اجترح الليبيون صيغة فُصلت على شخص رجل واحد هو الراحل إدريس السنوسي بما له من ميراث روحي وسياسي. لم تكن له قبيلة بل كان جده والد أبيه فقيهاً صوفياً قادماً من الجزائر. تلك كانت الصفات والمؤهلات التي جعلت منه رمزاً مقبولاً من الأغلبية. تأسس النظام الجديد على من يحكم أكثر من قواعد كيف تُحكم البلاد. صحيح دستور البلاد الملكي وضع المواد التي ترسم آلية إدارة الدولة، لكن القرار كان بيد الملك. هو من يعيّن الحكومة ويقيلها ويرسم سياسات البلاد. بعد الأول من سبتمبر (أيلول) 1969 وإسقاط النظام الملكي، صدر إعلان دستوري لم يُفعَّل، وبدأ الخلاف بين أعضاء مجلس قيادة الثورة على قواعد الحكم. دبَّ الخلاف مبكراً بين الأعضاء.
 
وبدأ مسلسل الاستقالات ومحاولات الانقلاب. فتحي الديب رجل المخابرات المصري الذي مثَّل الرئيس جمال عبد الناصر في ليبيا، تحدث بالتفصيل عن خلفيات تلك المرحلة في كتابه: عبد الناصر وثورة ليبيا. كانت المعارك ما ظهر منها وما بطن حول من يحكم، وليس كيف تُحكم البلاد. اختفى أول تنظيم سياسي وهو الاتحاد الاشتراكي العربي من دون صدور قانون يلغيه. بعد إعلان الجماهيرية وقيام المؤتمرات واللجان الشعبية، تحول الراحل معمر القذافي من الأخ العقيد إلى الأخ القائد، وحسمت قضية من يحكم، كل ما يصدر عنه له قوة القانون. إلى هذا اليوم وبعد الحرب الأهلية وهي فعلاً عرس الدم، لم تطرح بقوة وجدية موضوعة كيف تُحكم البلاد؟ رغم صدور مسودة الدستور والحديث الذي لا يتوقف عن الاستفتاء والانتخابات، ظلَّ فيروس «من» هو المحرك الدامي الذي يركل بعنف «كيف».
 
الأبواب مشرعة للتدخلات الأجنبية التي تتدافع على الأرض والناس. القرار الوطني ذهب مع رياح الخلاف الدامي. لم تعد القضية حول السباق على المصالح التي يسيل لها لعاب المتدخلين، وتتدفق من أجلها أسلحتهم، بل الأطماع في موقع البلاد وثرواتها، أما من يعتقدون أنهم رسل إنقاذ الوطن بكل أطيافهم ليسوا سوى أسرى لذاك الفيروس القاتل لبقايا الوطن.
 
السؤال: ما العمل وكيف المخرج من حلقات عرس الدم؟
من الصعب كتابة وصفة (روشتة) جاهزة للإجابة عن هذا السؤال، ولكن ثقل المحنة والمهام والتهديد الزاحف على وحدة البلاد ووجودها ككيان، قد - أكرر - قد يكون المطرقة التي تنبه القوى الأجنبية الفاعلة على أرض ليبيا، لتتوافق على حل تفرضه على كل الأطراف الليبية، التي لم يعد لها حرف واحد على أوراق القرار. القوى الأجنيبة الفاعلة في الشأن الليبي صارت تدرك أن تشظي البلاد سينالها كثير من لهبه السام.
...

- عبد الرحمن شلقم

وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة

...

نقلًا عن «الشرق الأوسط»
 


أقرأ أيضا