الخروج من أزمة الكورونا

د.عبد المنعم سعيد



الخروج من أزمة الكورونا



قسم المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، فى سلسلة من الدراسات الهامة، مراحل أزمة الكورونا إلى خمس اختلفت فيما بينها فى التوقيت والاتساع والانتشار على مستوى العالم، ومدى تأثيرها على مصر فى قطاعات اقتصادية مختلفة. المرحلة الأولى هى التى ظهر فيها الفيروس غير المعروف فى البداية وموطنه الصين وحدها التى أخذت تدابير احترازية لتفادى انتشار الفيروس، بينما نظر لها بقية العالم على أنها ظاهرة صينية فى ملامحها الاقتصادية والسياسية. ومن الناحية الزمنية فإنه يمكن تحديد هذه المرحلة منذ اكتشاف الفيروس فى شهر ديسمبر ٢٠١٩ وحتى منتصف فبراير من العام الحالى.

 

وهنا بدأت المرحلة الثانية التى أخذ فيها الفيروس فى الانتشار فى أجزاء من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، واتخذت هذه البلدان تدابير احترازية طفيفة منعا لانتشار الفيروس، فى حين اتخذت الصين تدابير ضخمة وحازمة شملت منشآت الإنتاج والتعليم والانتقال بين الأقاليم. المرحلة الثالثة بدأت تقريبا فى منتصف شهر مارس وفيها تفاقمت الأزمة بامتداد الفيروس إلى أوروبا والشرق الأوسط مع تفش واسع النطاق فى كل من إيطاليا وإيران، وبداية انتشاره فى الولايات المتحدة وكندا. فى هذه المرحلة جرى اتخاذ تدابير احترازية قوية أثرت على اقتصاديات الدول كافة مع حظر رحلات الطيران الدولية، وإلغاء الفعاليات الكبرى مثل الدورة الأولمبية فى اليابان. ولكنها كانت المرحلة التى أخذ فيها الفيروس فى الانحسار فى الصين وكوريا الجنوبية بفعل التدابير الوقائية التى تبنتها الحكومة. المرحلة الرابعة انحسار الأزمة أو السيطرة عليها بدأت مع منتصف مايو حيث بلغ منحنى الأزمة ذروته ثم بدأ فى الهبوط التدريجى فى أوروبا والسيطرة عليه فى كل من إيطاليا وإيران، وخرجت الصين وتايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية من الأزمة...
 

.. ورغم استمرارها فى الولايات المتحدة فإن هناك تحسنًا فى الأحوال فى العموم، حيث بدأ استئناف التجارة فى مناطق من العالم. المرحلة الخامسة هى «التعافى» وهى ممتدة من نهاية يونيو الجارى وحتى نهاية العام، وفيها يكون التعافى كاملا فى أوروبا والولايات المتحدة وشمال أمريكا فى العموم، بينما تظل اقتصادات فى الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا الجنوبية دون تعاف كامل أو شامل مع احتمالات استئناف الفيروس لنشاطه مرة أخرى فى مناطق متعددة من العالم.

 

هذا التقسيم الخماسى لمراحل الأزمة لا ينطبق بشكل متماثل مع كل دول العالم، كما أن الاقتراب من التوصل إلى اللقاحات والأدوية اللازمة لعلاج المرض يقرب الخروج من مرحلة تفاقم الأزمة إلى انحسارها ثم التعافى منها. وبالنسبة لمصر فإنه وفق الخصائص المنوه عنها فإنها تقع حاليا وقت كتابة السطور قبل أسبوع فى مرحلة تفاقم الأزمة وهو ما ظهر فى ارتفاع عدد الإصابات بالمرض والوفيات أيضا. ورغم هذا الارتفاع فإن انتشار المرض لم يؤثر على الوفيات فى مصر، ووفقا لآخر الإحصائيات المتاحة والخاصة بالوفيات فإنه فى مرحلة تفاقم الأزمة عالميا فى شهر إبريل ٢٠٢٠ فإن عدد الوفيات فى مصر خلال هذا الشهر بلغ ٤٢.١ ألف حالة وفاة مقارنة بحوالى ٤٣.٣ ألف حالة وفاة خلال نفس الشهر عام ٢٠١٩، أى انخفض عدد الوفيات بحوالى ٢.٨٪. الأرقام هكذا لا تقود إلى وجود حالة من التصعيد حتى نهاية شهر إبريل، ولكم أرقام شهرى مايو ويونيو ربما لا تشير إلا لتغير طفيف على ضوء أن عدد المتوفين الكلى بسبب الفيروس لا يزال فى حدود الألفين. ولعل ذلك يفسر اتجاه السلطات المصرية إلى الدخول فى حالة «الخروج» التدريجى من الجائحة بسلسة من تخفيف الإجراءات الاحترازية بحيث تصل إلى ذروتها مع مطلع شهر يوليو حيث يتم استئناف الطيران والأنشطة الرياضية والاقتصادية وربما الاجتماعية أيضا.

 

كل ذلك لا يعنى أنه لا العالم ولا مصر قد خرجا من الأزمة لأنه من الناحية الحسابية البحتة لإنتاج اللقاحات والأدوية وتصنيعها وتطبيقها فى مناطق العالم المختلفة لن تكون متيسرة قبل نهاية العام وأوائل العام القادم. فى نفس الوقت، وكما ثبت فى كوريا الجنوبية والصين، فإن الفيروس قادر على العودة مرة أخرى ربما بعد إجراء تحولات بيولوجية يأخذ فيها أشكالا أخرى. وأخيرا فإن النتائج الاقتصادية للأزمة ليست من النوع الذى يجرى فيه استعادة النشاط والتوازن بسرعة خاصة إذا ما وصلت الحكومات إلى مرحلة التعافى منهكة من جهود فائقة واستثنائية سواء لمقاومة المرض أو لإبقاء الاقتصاد فى حالة تسمح باستئناف العمل. فى الولايات المتحدة فقد أكثر من ٤٠ مليونا وظائفهم، ولكن فى شهر مايو عاد اثنان ونصف مليون إلى العمل مرة أخرى فى إشارة إلى إمكانية عودة التعافى إلى الاقتصاد الأمريكى. من ناحية أخرى فإن الإنفاق الحكومى الضخم خلال الشهور الأولى من العام مع ذيوع اتجاهات محافظة للإنفاق الفردى والأسرى ربما يعطى مساحة لزيادة الطلب على السلع والبضائع والخدمات حال تقليل الإجراءات الاحترازية خاصة تلك المتعلقة بالسفر.

 

الخروج من الأزمة فى مصر لن يكون أقل صعوبة من فترة مواجهة الأزمة ذاتها لأنه على الحكومة أن تقنع الجماهير أن الدخول فى مرحلة التعافى لا يعفى من الوباء ذاته وضرورة اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة. هذه مسألة سياسية واقتصادية وإعلامية فى المقام الأول، فسوف يبقى الحذر واجبا من موجات أخرى من الفيروس. ولحسن الطالع أن الدولة كانت حريصة أن تبقى الاقتصاد عاملا وفاعلا خلال شهور الأزمة فيما تعلق بالمشروعات القومية، بل إنه كان هناك حرص على استكمال المشروعات رغم تأجيل موعد افتتاحها. ولكن الدولة من ناحية أخرى مدعوة للمراجعة الدقيقة للتجربة كلها بجوانبها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. فربما يكون الوقت مناسبا للبحث فى مجال التأمين الصحى مرة أخرى، فقبل الأزمة كانت مصر قد بدأت عمليات التأمين الصحى الشامل فى مناطق محدودة على سبيل التجربة فى بورسعيد والإسماعيلية والأقصر، فماذا كانت نتائج التجربة من حيث الجودة والتكاليف، وهل يمكن رفع الأعباء عن الدولة ووضعها على أكتاف شركات التأمين الخاصة والتى يمكن أن تستخدمها الدولة للتأمين على الفئات الأقل حظا من الفقراء ومحدودى الدخل أو أصحاب الاحتياجات الخاصة؟ المركز المصرى للدراسات الاقتصادية قام بسلسلة من الدراسات الخاصة بتأثيرات الأزمة بأبعادها المحلية والعالمية على الزراعة والصناعة والخدمات والعاملين فى الخارج أى الموضوعات المتعلقة بالاقتصاد المصرى فى العموم، فهل من الممكن أن تكون هذه الدراسات مع بحوث ودراسات مراكز أخرى حكومية وخاصة موضوعا لمؤتمر قومى للتعامل ليس فقط مع الخروج من الأزمة أو مشكلات التعافى وإنما أيضا لتحضير البلاد لانطلاق كبير فى المستقبل القريب؟!

 

نقلًا عن «المصري اليوم»

 



أقرأ أيضا