مصرع جورج فلويد يثبت أن الذيل العنصري ابن العبودية

على أبو الخير



مصرع جورج فلويد يثبت أن الذيل العنصري ابن العبودية



انتهى زمن العبودية والرق، ولكن بقى منها ذيل التفرقة العنصرية، واستعلاء بعض البشر على غيرهم؛ بسبب لون البشرة.. فما زال يعاني السود الاضطهاد العنصري في دول أوروبا وأمريكا البيضاء، وينتشر التنمر حتى في ملاعب كرة القدم ضد اللاعبين من ذوي البشرة السوداء، ولم يشفع لهم إبداعاتهم الكروية.

 

وفي هذا السياق، كشف مصرع المواطن الأمريكي من أصول إفريقية جورج فلويد، على يد شرطي أمريكي أبيض العورات الأخلاقية، التي تعيشها البشرية منذ استعبد الإنسان أخاه الإنسان، ولا نعلم على وجه اليقين متى بدأ الرق ينتشر في ربوع الأرض.

 

يقول المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، في موسوعته الشهيرة "قصة الحضارة": "بينما كانت الزراعة تُنْشئ المدنية إنشاءً، فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية، انتهت كذلك إلى نظام الرق"، وهذا معناه أن الرق بدأ مع وجود الملكية، وهو ما ذهب إليه أيضًا كارل ماركس؛ ولكن تم إضفاء طابع ديني على العبودية، رغم أن الأديان حررت العبيد، ولكن البشر طبقوا قوانينهم وأعرافهم، فقد جاء في سفر التكوين|22 – 25 "أبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه بالخارج، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير، فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته"، أي أن سبب العبودية أن اللعنة الأبدية حلّت على حام ونسله الأسود، وهو تبرير لا تقبله العقول، فقد تم استعباد شعب إسرائيل رغم جنسهم السامي، ولا توجد لعنة إلهية تمتد عبر الأجيال، ومع مرور الزمن وتفشي العبودية وتعاظم عدد العبيد، حاول كثير من العبيد الثورة من أجل الحرية، وهي أسمى ما يطلبه الإنسان، وأهم ما يريده الله للبشر، ومن أشهر ثورات العبيد، ثورة سبارتكوس أعوام 74- 71 قبل الميلاد، ضد الدولة الرومانية وانتهت بالفشل الشديد، وعودة الرق إلى سابق عهده.

 

وفي التاريخ الإسلامي حدثت ثورة الزنج في العصر العباسي دامت 15 عامًا بين عامي 255- 270هـ، وقد بدأت بزنوج من شرق إفريقيا الذين استعبدوا، وجيء بهم إلى الدولة وثاروا في البصرة، وامتدت لتضم العديد من المستعبدين والأحرار في مناطق عدة من الإمبراطورية الإسلامية، فكانت ثورات الرقيق الأسود، وأيضًا ثورات الزط، وهم الغجر؛ طلبًا للحرية ضد استبداد الدولة، التي طال استبدادها كل الرعايا، وقد نجا الرقيق الأبيض من مصير الرقيق الأسود، فقد تمكن المماليك وهم من العبيد البيض من أصول قوقازية بيضاء، أن يحكموا مصر والشام والحجاز واليمن 267 عاما بين عامي 1250 – 1517، وبرّر الشيخ العز الدين بن عبد السلام حكم المماليك عندما أصدر فتوى ليُباع هؤلاء المماليك الحكّام أولا، ثم يحرروا أنفسهم، وهي افتكاسة فقهية، لم تمنع استبداد المماليك وتحكمهم في العباد والرقاب، ولم يأت حاكم أسود أبدا، ولم يشذ عن القاعدة البيضاء سوى كافور الإخشيدي الأسود، الذي سيطر وحكم مصر بالقوة 23 عامًا، بعد وفاة محمد بن طغج الإخشيدي، وقد هجاه الشاعر أبو الطيب المتنبي بقصيدته المشهورة، التي في مقدمتها:

 

لا تشتري العبد إلا والعصا معه         إن العبيد لأنجاس مناكيد

 

وظل العبيد مواطنين من الدرجة الدنيا في سلم الأجناس، رغم أن كل الأديان جاءت بتحرير البشر من أغلال العبودية وعار الرق. وفي القرآن الكريم والسيرة النبوية حرص على تحرير رقاب كل البشر، ومنع الرق تمامًا، وقصر الرق على أسرى الحروب، ثم جُعل لأسرى الحرب مصيران؛ إما المن عليه وإطلاق سراحه، وإما تبادل أسرى أو فداء بالمال، كما جاء بالآية الرابعة من سورة "محمد"، ولكن فقهاء الأمة جعلوا الرق باق إلى يوم القيامة.

 

وبسبب الفقه السلفي الوهابي، لم يتحرر العبيد في المملكة العربية السعودية إلا عندما أصدر الملك فيصل بن عبد العزيز -كان أميرًا آنذاك- قراره الوزاري الشهير عام 1382/1962م الذي اشتمل على برنامجه الإصلاحي، والذي عرف بعد ذلك بقرار النقاط العشرة، ومن ضمنها تحرير العبيد؛ ولكن ظلت النظرة لذوي الأصول السوداء تتميز بالعنصرية، ولعل من بقايا الرق في السعودية ما يُسمى بنظام الكفيل للعمال الأجانب، ولكن ما زالت فتاوى السلفيين تحرص على ترديد مقولة إن الرق باق إلى يوم القيامة.

 

ونذكر أيضًا أن الفصل العنصري أو الأبارتيد ظل في دولة جنوب إفريقيا إلى عهد قريب، عندما كان يحكم النظام العنصري الأبيض الدولة الغنية السمراء.

 

على كل كال تحرر العبيد في العالم، ومن مآثر الخديو إسماعيل في مصر أنه حرر العبيد مبكرًا عام 1877، عندما كانت دول العالم ما زالت تمارسه بعار الأخلاق وعبودية الشهوات، وقبيل تحرير العبيد في مصر حدثت حرب أهلية أمريكية بسبب قيام الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، بتحرير العبيد، ودفع حياته ثمنًا لقراره، فقد اُغتيل يوم 15 أبريل 1865.

 

ورغم أن العبودية في أمريكا انتهت؛ فإن الذيل العنصري ظل حتى عهد قريب، عندما بدأ الفصل العنصري يتلاشى منذ يوم 1/12/1955، بعد أن رفضت سيدة أمريكية سوداء اسمها "روزا باركس" أن تترك مقعدها في حافلة كانت تركبها في طريقها إلى منزلها، كانت القوانين في ذلك الوقت تنص على أن يدفع السود ثمن التذكرة من الباب الأمامي وأن يصعدوا الحافلة من الباب الخلفي، وأن يجلسوا في المقاعد الخلفية، أما البيض فلهم المقاعد الأمامية، بل من حق السائق أن يأمر الركاب السود الجالسين أن يتركوا مقاعدهم من أجل أن يجلس شخص أبيض؛ ولكن في ذلك اليوم تعمدت باركس أن لا تخلي مقعدها لأحد الركاب البيض وأصرت على موقفها، رافضة بكل بساطة التخلي عن حقها في الجلوس على المقعد الذي اختارته، فقام السائق باستدعاء رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القانون. وكان للحادث أثر كبير في تأجيج مشاعر السود ضد الظلم والتمييز العنصري، فقاطع السود حافلات الركاب لمدة سنة كاملة، ورفعت القضية إلى أعلى هيئة دستورية في الولايات المتحدة، واستمرت المحاكمة مدة 381 يومًا، وفي النهاية خرجت المحكمة بحكمها، الذي نصر موقف روزا باركس، وتغير وجه حركة الكفاح ضد العنصرية على أساس اللون، وفي نهاية عام 1956 صار من حق السود الجلوس في مكان واحد مع البيض وإعطاؤهم نفس الحقوق في جميع القوانين. من هنا غيرت باركس حياة السود في أمريكا بصورة دراماتيكية، ويعتبر تحديها واحدًا من أهم الخطوات التي قام بها مواطن أمريكي أسود؛ من أجل الحصول على حقوق متساوية لما يتمتع به الأمريكيون البيض، ولكن رغم نجاح الأمريكيين السود في القضاء على العبودية والفصل العنصري، فإن مجتمعهم ما زال يعاني حتى اليوم مظاهر متخلفة ومشكلات عديدة بالمعايير الأمريكية، وبعد عقود على خطاب مارتن لوثر كنج، الذي اغتيل يوم 4 أبريل 1968 "عندي حلم"، ما زالت الظروف المعيشية الصعبة للسود في أمريكا قائمة، وما زالت النظرة الدونية. ورغم أن شعر "عندي حلم" هو الذي أوصل الأسمر باراك أوباما إلى سدة الرئاسة الأمريكية لمدة ثماني سنوات؛ فإن الذيل العنصري ما زال متحكمًا في العقلية البيضاء، وما زالت البشرية تعاني ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وما زال الفصل العنصري مستمرًّا، وما زال الاتجار في الرقيق الأبيض من النساء باقيًا، ولن ينتهي بسرعة إلا بعد عودة الدفقة الروحية الإلهية لضمير الإنسان، وهذا أمر لو يعلمون عظيم.



أقرأ أيضا