عندما يصبح الطريق إلى الله طريقًا لإبادة الإنسان!

عصام الزهيري



عندما يصبح الطريق إلى الله طريقًا لإبادة الإنسان!



لم يعد الكثيرون اليوم يتصورون أن يتحول البحث عن الله من رحلة معراج روحي وتأمل عقلي إلى تكفير مرير وحروب طاحنة، وأن يؤدي هذا البحث العلوي الما ورائي بالإنسان إلى مجازر وحشية وصراعات ماحقة ومخاطر تهدد وجوده نفسه؛ لكن هذا هو ما حدث في التاريخ بالفعل، وما يعني استمراره تهديدًا وجوديًّا متزايدًا؛ تهديدًا أكثر رعبًا وأشد ضخامة، في حال استسلام الإنسان لميول التعصب ونزعات العنصرية ورغبات الانفراد، تلك التي تستطيع أن تحوله إلى آلة إبادة حقيقية للمختلفين دينيًّا.

 

رواية "كتاب صلاح الدين" هي الجزء الثاني من "خماسية الإسلام" للكاتب البريطاني من أصول باكستانية "طارق علي". في الفصل الثاني عشر منها تظهر شخصية "برنارد من تولوز" كفارّ هارب من صفوف الحملة الصليبية ولاجئ إلى مملكة السلطان "صلاح الدين الأيوبي". عندما يسأله "صلاح الدين" عن قصته يجيب "برنارد" باعتراف: "أنا في نظر كنيستي مهرطق وإذا كانت الهرطقة أسلوبًا آخر للتعبير عن النضال من أجل الإله الحقيقي، فأنا بالفعل مهرطق وفخور بهذه الحقيقة".

 

معنى "الهرطقة" في تاريخ اللاهوت المسيحي يوازي فكرة "الخروج" بالطريقة التي أطلقت بها على فرقة "الخوارج" في التاريخ الإسلامي. واكتسبت كذلك في تاريخ كنيسة القرون الوسطى المسيحية نفس البعد السياسي الذي اكتسبه تعبير "الخروج" ثم الوصم بالزندقة بعد ذلك في العصر العباسي. فالمهرطق أو الخارج أو الزنديق ليس فقط عدوًّا للعقيدة القويمة أو الدين الصحيح كما هو عند أهل الملة الغالبة، إنما هو أيضًا معارض أو متمرد بالمعنى السياسي. فما كان يترتب على الهرطقة والخروج والزندقة في التاريخ المسيحي والإسلامي من عقوبات ذات طابع سياسي -أهمها القتل- كانت تنفذها السلطة الحاكمة ضدهم كمعارضين لحكمها وسلطتها.

 

ينطلق "برنارد" في شرح عقيدته لـ"صلاح الدين" في الرواية من المبدأ الثنوي الذي ينطلق من وجود إلهَين: إله خير وإله شر، ومن أن هناك صراعًا مستمرًّا بين هاتين القوتين الأبديتين المتساويتين، ويضيف "برنارد": "الثالوث المقدس عند المسيحييين تجل للشر، الروح القدس يمثل روح الشر، والابن هو ابن دار الخسران، والأب ليس سوى الشيطان نفسه. وهناك مسيحان، المسيح الذي في السماوات خير، أما المسيح الذي على الأرض فهو شرير". وعندما يسأله أحد علماء الدين الحاضرين في مجلس السلطان عن الفارق بين عقيدته وبين الإسلام يجيب بكلمة واحدة: "الزنى"! ويضيف: "يبدو لي دينكم قريبًا جدًّا من المتع الدنيوية. ولأنكم أدركتم أنكم لا تستطيعون العيش بالكتاب وحده، شجعتم على اختراع الأحاديث كي يساعدكم ذلك على حكم الإمبراطوريات التي كسبتموها. ولكن ألا يناقض بعض الأحاديث بعضًا؟ مَن ذا الذي يقرر ما تؤمنون به؟". ويرد "صلاح الدين" بسرعة: "لدينا علماء متفرغون لدراسة الأحاديث.. أنا معك. الأحاديث منفتحة على أكثر من تفسير. لذا لدينا علماء للتحقق من مدى صحتها. نحن نحتاجها يا برنارد صاحب تولوز، نحتاجها. من دون هذا التراث لا يستطيع ديننا أن يكون قانونا كاملًا للوجود"! حينئذ، يأتيه "برنارد" بالإجابة الحاسمة: "وهل يمكن أن يكون أي دين قانونًا كاملًا للحياة بينما يوجد في صفوف المؤمنين تباين كبير في التفسير والتأويل؟ أتباع الخلفاء الفاطميين مثلًا لا يشاركونكم أفكاركم ولا أفكار خليفة بغداد. الشيء نفسه ينطبق على ديننا أو دين اليهود. من يحكم يضع القوانين". هنا يضحك "صلاح الدين"، ويقول: "أنت مهرطق أصيل يا صديقي"!

 

كلمة "برنارد" التي ختمت حواره مع "صلاح الدين" وأفحمته أو جعلته "ينقطع" على حد القول الشائع في التراث الجدلي الكلامي الإسلامي، تعبر عن حقيقة تاريخية ليس بوسع المتدينين اليوم إنكارها. "من يحكم يضع القوانين" كلمة السر التي جعلت الأديان تحاول الاستناد دائمًا إلى سلطان الدول والإمبراطوريات، وتعد تحولها إلى أيديولوجية دولة انتصارًا ساحقًا لها على الجميع، سواء أكان هؤلاء من منتقديها من داخلها أم من خارجها، أتباع المذاهب المختلفة أم أتباع الأديان المختلفة. وهو ما يعبر عنه بالتالي قول مأثور عن الخليفة الثالث "عثمان بن عفان"، هو: "ما لا يزع بالقرآن يزع بالسلطان". ويعني أنه من لا تفلح معه وسائل الترغيب والإقناع يمكن حسم الجدل معه بالقهر وقوة السيف ورهبة التخويف أو بالقتل! وبهذه الطريقة أو بهاتين الطريقتين وصلت إلينا الأديان كما نعرفها عليه اليوم كأيديولوجيات دول وتراث أباطرة ومعتقدات خلفاء وسلاطين.

 

في معتقدات "برنارد" المدهشة كما يشرحها في الرواية مع انتمائه إلى مدينة "تولوز" بجنوب فرنسا، إشارتان يبين بهما الروائي "طارق علي" الخلفية المعتقدية لفارسه الصليبي الهارب من مملكته الصليبية في أورشليم إلى عاصمة مملكة السلطان الأيوبي في القاهرة. وهو ينتمي إلى طائفة دينية انتشرت في القرون الوسطى جنوب فرنسا تسمى "الكاثارية". وتنتمي بدورها إلى طائفة من العقائد الثنوية التي عرف أتباعها اضطهادًا وحصارًا شديدًا من السلطات الدينية السياسية الثلاث في أوربا والشرق الأوسط: إمبراطورية روما البيزنطية والكنيسة الكاثوليكية في أوروبا والخلافة العباسية في بغداد. ومن المستحسن أن نلقي نظرة على طبيعة هذه المعتقدات التي يخبرنا تاريخ الأديان أن الجدل معها في نطاق العالم القديم لم يحسم إلا بقوة السيف.

 

لم تكن العقائد الثنوية تنكر وجود الإله الخالق؛ لكنها كانت تعتقد في وجود إله آخر للشر إلى جانبه. وكانت تقدم بذلك حلًّا جذريًّا لمشكلة وجود الشر في الكون، ليس باعتباره شرًّا أخلاقيًّا نابعًا من عصيان الشيطان أو من استخدام الإنسان لإرادته الحرة كما هو في الأديان الإبراهيمية، ولكن باعتباره شرًّا أصيلًا تمثله المادة المظلمة ويكمن فيها وجوهره القوة، كما تمثل الروح التي تنتمي إلى الإله الخير الخير والنور وجوهره الحب.

 

رفض الكاثاريون المؤسسة الدينية كوسيط بين الله والإنسان وكمفسر لوحي الكتاب، كما رفضوا مفهوم الإيمان واستبدلوا به مفهوم العرفان الداخلي الأقرب إلى التصور الصوفي العرفاني.

واعتقدوا أن هذا العرفان الداخلي طريق للروح يؤدي إلى التطهر من أدران ومتعلقات العالم المادي وإلى النجاة من دورة التناسخ.

 

والخلق المادي عندهم كما هو عند سائر أتباع الأديان والمذاهب العرفانية ليس من خلق الإله الخير وإنما من خلق الإله الآخر الشرير. فالشيطان (الإله الشرير أو ملك الدهر أو أمير العالم) هو في اعتقادهم مَن صنع العالم المادي. من هنا تعد المادة لديهم بكل أشكالها جميعها شر بما في ذلك جسد الإنسان. وطبقًا لسفر التكوين والكتب الدينية المقدسة التي أوحى بها الإله الشرير ليخدع بها العالم فبعد أن انتهى أمير الظلام من خلق العالم اتجه إلى خلق الإنسان، لكنه وجد نفسه غير قادر على بث الحياة في جسد الزوجين الأولين، فعمد إلى اصطياد روحين ملائكيتين تنتميان للأعالي، العالم السماوي أو عالم الإله الحقيقي، وسجنهما في الهيئة المادية البشرية، من ثم نهض آدم وحواء بشرًا سويًّا بجسد ظلامي شرير وروح ملائكية نورانية.

 

من هنا فإن كلمة "الكاثارية" تعني في جذرها اليوناني "الطهر" أو "التطهر" وهي ديانة تقوم على تطهير الروح من أدران الجسد والتنكر لغرائزه. وهو ما يلقي الضوء على إجابة "برنارد" على سؤال عن الفارق بين معتقده وبين الإسلام وكانت: "الزنى"!

 

في عام  1209م بعد أن تفطنت الباباوية الكاثوليكية في روما لخطورة وانتشار العقيدة "الكاثارية" التي هيمنت في مناطق واسعة من جنوب فرنسا. جهزت حملة صليبية عرفت باسم "الحملة الصليبية الألبينية" انحدرت كالإعصار من الشمال الأوروبي بقوام من ثلاثين ألف فارس إلى جنوب فرنسا. أحرقت هذه الحملة كل أراضي المقاطعة الكاثارية وأهلكت الكاثاريين عن بكرة أبيهم. ففي مدينة واحدة جرى قتل خمسة عشر ألف نسمة بين رجل وامرأة وطفل.

 

ويروي أحد مؤرخي تلك الحملة أن أحد قوادها سأل ممثل البابا عن الكيفية التي يميز بها بين الهراطقة من غيرهم قبل إعمال السيف فيهم؟ فأجابه: اقتلهم جميعًا واترك لله أن يميز بين رعيته منهم!

 

رغم كل هذا العنف الماحق استمرت الحملة الألبينية نحو أربعين عامًا في مواجهة مقاومة شرسة ومستميتة من "الكاثاريين" الذين تراجعوا نحو المناطق الوعرة والحصون الجبلية المنيعة. ولم يجرِ محو الثقافة الكاثارية التي يعدها المؤرخون أرقى ثقافة على الخريطة الأوروبية المظلمة في القرون الوسطى إلا مع سقوط مدينة "مونستيجر" آخر معقل كاثاري في جنوب فرنسا.

 



أقرأ أيضا