التاريخ المصري.. بين رجال الدين وعلماء الآثار

على أبو الخير



التاريخ المصري.. بين رجال الدين وعلماء الآثار



مهمة رجل الدين أن يشرح النص المقدس؛ بما يفهمه الرجل العامي، رجل الدين لا يقول شيئًا مجهولًا لا يعرفه المستمعون أو القراء، ولكن المطلوب منه هو الوعظ الراقي والقدوة الحسنة، وأن يخاطب الناس على قدر عقولهم.

 

وفي ديننا الإسلام، نجد القرآن الكريم لا يذكر تفاصيل القصص القرآني، لم يذكر مثلًا اسم ذي القرنين أو اسم فرعون موسى أو أسماء أهل الكهف، ورجل الدين عليه أن يعظ بمجمل القصص القرآني، فعندما يتحدث عن فرعون، فإنه يهاجم كل مَن يسوس الناس بالقهر والاستبداد في أي مكان أو زمان، وعندما يتحدث عن فتية أهل الكهف، عليه أن ينشر الإيمان القلبي والفكر العقلي من وحي الفتية.. وهكذا.

 

أما أن يقوم رجل الدين، وهو غير مؤهل للحديث في الطب أو الفلك أو الكيمياء أو الاقتصاد أو علم الآثار، فإنه يتخطى حدود تخصصه، رغم أن رجال الدين صدَّعوا رؤوسنا وطلبوا من أمثالنا عدم الحديث في الدين، ما دام لم يحصل على صك الكهنوت الرسمي للحديث في الدين.

 

نقول هذه المقدمة كلها، بمناسبة حديث الدكتور علي جمعة، مفتي مصر الأسبق، في برنامج تليفزيوني "مصر أرض الأنبياء"؛ فقد قال إن تمثال أبي الهول الشهير تجسيد لنبي الله إدريس، وأن هناك كثيرًا من الأقاويل، التي يرجحها العلماء، أن نبي الله إدريس هو مَن بدأ بناء الأهرامات وعلم التحنيط، وأن وجه تمثال أبي الهول في مصر هو وجهه.. إلى آخر ما قال.

 

لم تكن تلك المرة الأولى التي يطرح فيها الشيخ علي جمعة هذه النظرية، إذ قال في عام 2015 إن النبي إدريس اسمه "أخنوخ" المذكور في التوراة، وهو هرمس الهرامسة أي حكيم الحكماء؛ لأن إدريس هو أول مَن خطّ بالقلم وخاط الثياب، وهو مثال للحكمة والعلوم الرياضية والفلكية، وهو "أبو الهول"، كما جاء في كتاب لأحد المؤرخين، وأن هناك أقاويل تشير إلى أن إدريس هو نفسه أوزوريس الذي تتحدث عنه البرديات الفرعونية.. إلخ.

 

الدكتور جمعة هنا دخل منطقة شائكة ملغومة، لا نقول تخطى حدوده، ولكن كان عليه أن يسأل المتخصصين والباحثين في شأن التاريخ المصري القديم، وينسب الأفكار إلى قائلها، تمامًا مثلما ينسب فتاواه إلى أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حنبل، وهو عمق تخصصه؛ ولكنه يعرف عن علم الآثار، كما نعرف نحن عن علم الميتافيزيقيا، ونحن نعترف أننا غير متخصصين في الدين أو علم المصريات؛ ولكننا نأخذ ونقرأ من علمائه، نستفيد منها، ونقارن بين ما قاله هذا العالم أو ذاك.

 

إن حديث الدكتور علي جمعة أغاظ عالم الآثار الوزير الأسبق الدكتور زاهي حواس، فأصدر بيانًا، انتقد فيه علي جمعة، فقال كما نورده باختصار غير مخل: "ليس هناك أي داعٍ لأن يتحدث رجل فقيه في الآثار؛ خصوصًا أنه تحدث بمعلومات عن الآثار لا تمت إلى العلم بصلة، بل هي معلومات رددها الكثيرون من مهووسي الآثار دون علم أو دراسة، وهو لم يكتب مقالًا علميًّا واحدًا في علم الآثار.. وأغلب ما قاله الشيخ علي جمعة هو ترديد لما كتبه الدكتور سيد كريم في كتاب له باسم "لغز الحضارة المصرية"، وكل ما جاء في هذا الكتاب عبارة عن تخيلات بعيدة عن العلم، ولقد ردد الدكتور مصطفى محمود، في برنامجه (العلم والإيمان)، نفس المعلومات المغلوطة، ولا يزال بعض غير الدارسين يرددون هذا الكلام الذي يتساوى مع مهاويس الشهرة، الذين يقولون إن الهرم بناه قوم جاؤوا من قارة أطلنتس المفقودة، وما قاله الآن علي جمعة هو عبارة عن ترديد لما قاله الرحالة العرب عندما جاؤوا إلى مصر في القرن التاسع الميلادي، وطالب حواس الدكتور علي جمعة بإثبات أن النبي إدريس هو أول مَن بنى الأهرامات، وأن تمثال (أبي الهول) تجسيد له"، وقال: "أولاً لدينا الأدلة الكاملة عن أن الملك زوسر هو الذي بنى أول هرم موجود لدينا.. وهل يمكن أن ننسى القوائم الملكية التي تحدد أسماء الملوك وليس بينهم اسم النبي إدريس عليه السلام؟!".

 

أما عن موضوع أن إدريس فهو أول مَن قام برسالة التوحيد، فلا يجب أن لا ننسى قبل وجود أي أديان سماوية، أن ظهر لنا الملك أخناتون كأول إنسان يتحدث عن التوحيد. أما عن موضوع إدريس وربطه بأوزوريس، فهذا للأسف تم ربطه بسبب السجع اللغوي بين الاسمين.. إلى آخر ما قاله الدكتور حواس. والحقيقة أننا لا نحجر على رأي أحد، فقط على المتحدث أن ينسب الكلام إلى مَن قاله، أو إذا تعمَّق في دراسة أي تاريخ، فعليه أو يورد أسانيده بدقة، مثلًا المؤرخ الأمريكي "جيمس هنري بريستيد" في كتابه الأشهر "فجر الضمير"، قارن فيه بين أناشيد أخناتون التوحيدية مع ما جاء في سفر المزامير في العهد القديم؛ حيث تخصص في الدراسات الدينية جنبًا إلى جنب مع علم المصريات، فجاء كتابه مرجعًا لكثيرين من الدارسين، وهو يختلف مثلًا عن العالم النفسي "سيجموند فرويد" في كتابه "موسى والتوحيد"؛ ففي هذا الكتاب تحدث عن النبي موسى ونشوء الديانة التوحيدية من وجهتي نظر تاريخية وتحليلية نفسية، فمن وجهة نظره للتاريخ يقول إن النبي موسى لم يكن عبرانيًّا بل مصري، وإن اليهود قتلته، وذلك طبقًا لمنهجه في التحليل النفسي، وهو ما رآه كثيرون حديثًا من غير متخصص، لا يمكن الركون إليه، وأيضًا تأتي كتابات وأحاديث الدكتور سيد القمني عن جبل التجلي عبر نفس المنطق، فقد رهّم ولفّق بين مصطلحات قديمة مضى عليها آلاف السنين، مع مصطلحات حديثة؛ مثل رافد نيلي "اسمه القديم بلّوز" وجعل اسم مدينة "بلوظة" في سيناء هو الاسم الجديد لبلّوز، وهو ما نراه محاولة تلفيق تاريخي، رغم أن سيد القمني صاحب مدرسة بحثية جيدة؛ ولكنه يعتمد على كتب تراثية نشكك فيها من الأساس، كما في كتابه "حروب دولة الرسول". أما الباحث سعد العدل في كتابه "أبو الأنبياء إخناتون" لم يبتعد عن تلك الحقيقة، وإن كان يمتاز بعمق دراساته اللغوية العربية والعبرية والمصرية القديمة.. وكل هؤلاء ليسوا رجال دين، ولكنهم باحثون يمكن الأخذ منهم والرد عليهم، ولم يفعلوا مثلما فعل الأستاذ الصحفي والكاتب المشهور أنيس منصور، ولأنه غير باحث، جاء كتاباه "الذين هبطوا من السماء" و"الذين عادوا إلى السماء"، مليئين بالأخطاء الفادحة حول بناء أهرامات مصر والمكسيك والأطباق الطائرة، وقد فنّد الدكتور عبد المحسن صالح في حينه كتابات أنيس منصور في مجلة "العربي" الكويتية، في السبعينيات والثمانينيات، ثم ضمَّنها في كتابه "الإنسان الحائر بين العلم والخرافة"، وقال إن معلوماته جاءت من كتاب رخيص اسمه "بدون أثر" لمؤلف أسكتلندي مجهول، كما قال الدكتور عبد المحسن، وكلها كتابات غير متخصصة، رغم أنها اشتهرت، وهي ليست في قيمة كتب أخرى متخصصة؛ مثل مؤلفات دكتور زاهي حواس أو الدكتور سليم حسن في موسوعته "مصر القديمة"، أو المؤرخ الأمريكي "ويل ديورانت" في المجلد الأول من موسوعة "قصة الحضارة".. وغيرها بالمئات من كتاب مصريين وغير مصريين متخصصين في علم المصريات.

 

ولا ننسى هنا القول إن المزاعم الصهيونية التي رددها مناحيم بيجين الذي قال إن اليهود هم بناة الأهرامات، ومعظم المدن الفرعونية، وما زالوا يرددونها، استفادوا من كتابات هؤلاء غير المتخصصين، لا في الدين ولا في الآثار.

 

وفي النهاية يمكن القول إنه إذا كان رجال الدين يطالبون غيرهم بعدم الحديث في القرآن والسنة؛ لأنهم حسب عرفهم غير متخصصين، رغم أن القرآن الكريم نفى صعوبة الفهم للنص القرآني، عندما ذكر في سورة القمر عدة مرات "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر"؛ أي أن القرآن أو الذكر ميسور، لا حجاب بين المسلم العامي أو المتخصص بين فهمه الفطري وعقله الناقد، عليهم الكف عن تصدير سيادتهم لفهم النص القرآني، وهي سيادة منقوصة كما نرى، وعلى الله قصد السبيل..



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..