المطمئنون بمعية الله.. الخوف وتأثيره في سلوك الناس

د. محمد المهدي



المطمئنون بمعية الله.. الخوف وتأثيره في سلوك الناس



هل يتغير سلوك الناس مع إحساسهم بالخوف؟ وإلى أي مدى يكون هذا التغيير؟ وهل يختلف من شخص إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر؟

 

بالتأكيد يؤثر الخوف في سلوك الإنسان؛ لأن الإحساس بالأمان من الاحتياجات المهمة جداً لسلامة الإنسان النفسية، وهو يلي في الأهمية الاحتياجات البيولوجية؛ مثل الطعام والشراب والمأوى، ولهذا حين يشعر الإنسان بتهديد أمانه فإنه يصبح أكثر أنانية وأكثر حرصًا على تجنب كل ما يهدد بقاءه الشخصي أو سلامته، وبالتالي يقل اهتمامه بالآخرين، وربما يصبح غاضبًا أو عدوانيًّا في محاولة لمواجهة الخطر، وإذا لم تكن المواجهة ممكن؛، فإنه يفكر في الهرب من مصدر الخطر لتفاديه.

 

هذه العمليات تتم في جزء صغير في المخ يُسمى اللوزة أو الـAmygdala""، وهو الذي يلتقط إشارات الخطر أو التهديد من البيئة المحيطة ويستشير الجهاز الطرفي في المخ عن ذاكرته نحو هذا الخطر، وحين يتأكد وجود الخطر وتتحدد شدته يقوم المخ يتحفيز الجهاز العصبي والجسم كله للتعامل مع الخطر، إما بالمواجهة وإما بالهرب؛ لكن الخوف في مواضع أخرى قد يصبح متسلطًا وقاهرًا؛ بحيث لا يجد الإنسان حيال الخطر الداهم إلا أن يستكين له تمامًا، وتشل حركته، وقد يصيبه الإغماء أو ما يشبه الموت؛ بل قد يصل إلى حالة الموت الحقيقي.

 

إذن فنحن أمام ثلاث استجابات في حالة الخوف: إما المواجهة وإما الهرب وإما الاستكانة، وفي كل الحالات ينشغل الإنسان بنفسه أكثر من اللازم، ويكون كل همه النجاة من مصدر الخوف.

 

وهذه الحالة تتبدى في أقصى صورة لها في يوم القيامة حين يستشعر الإنسان هول الموقف فينشغل بنفسه عن كل ما عداه؛ حتى إنه ينشغل عمن كانوا في الدنيا أقرب الناس إليه، وأحب الناس إليه: يقول تعالى في سورة عبس (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)).

 

وهذا ما نراه بشكل مصغر في وقت الأزمات والكوارث والأوبئة؛ حيث تقل درجة الإيثار والتراحم والتكافل لدى مَن يستبد بهم الخوف الشديد والهلع، فيتجهون تحت تأثير رعبهم إلى سلوكيات أكثر أنانية؛ للحفاظ على ذواتهم من الخطر، فيعمدون إلى اكتناز المال أو تخزين المواد الغذائية أكثر من اللازم، ولا يبالون بسلامة غيرهم، بل ربما ينبذونهم أو يعادونهم.

 

أما أصحاب النفوس المطمئنة بمعية الله ومعونته ولطفه في السراء والضراء، فإنهم يحتفظون بقدرتهم على العطاء وقت الشدائد؛ لأنهم لا يصلون إلى درجة الهلع المفجرة للأنانية والبخل والاستحواذ، وبالتالي يظلون قادرين على العطاء السخي والرحمة بغيرهم مهما كانت الظروف، وهذا الموقف نراه في وصف الرسول، صلى الله عليه وسلم، بأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر؛ لأن نفسه مطمئنة بعطاء الله وكرمه وأمنه.

 

 وحياة الإنسان تتأرجح بين الخوف والأمن، ولهذا انشغلت الإنسانية بتوفير ما يحقق الشعور بالأمن والطمأنينة، ويتجسد هذا الشعور في كثير من المفردات الاجتماعية؛ فمن الملاحظة البسيطة نجد أن المريض وهو يشكو مرضًا ما، وينتابه خوف منه ومن أعراضه يفر هاربًا يشكو خوفه إلى طبيبه، أو عندما يقع ظلم على شخص ما ويخاف أن يضيع حقه، أو يخاف الطرف الآخر لقوته، نراه يهرب خائفًا، ويلوذ بالقانون أو القضاء لينقذه من ذلك الظلم الذي وقع عليه، أو عندما يواجه الإنسان خطرًا شديدًا لا قِبَل له به ولا يستطيع أحد نجدته منه، فإنه يلوذ بحمى الله ويستظل بقدرته ورحمته ولطفه.

 

وهكذا نجد الكثير من هذه المفردات التي دفعت بعض الباحثين للقول إن القانون والدين والأخلاق والطب ما هي إلا وسائط ما وجدت إلا لأجل أن يشعر الإنسان بالأمن والطمأنينة، وقد عبر الإمام علي، رضي الله عنه، عن العلاقة بين الأمن والخوف أجمل تعبير، حيث قال: (ثمرة الخوف الأمن).

 

وبعض الأفراد أو المجموعات أو الدول قد تستغل حالة الخوف وما تحدثه في الناس من عدم توازن، فيستغلونهم ويوجهونهم الوجهة التي تحقق لهم المصالح، ويبتزونهم مقابل إعطائهم الشعور بالأمن، حتى ولو كان كاذبًا، وهذا ما يُسمى "الإدارة بالخوف"، ولهذا قد يكون الخوف مصنوعًا أومبالغًا فيه بهدف تحقيق مكاسب أو إحداث تغييرات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.  

 

ونحن نحتاج في وقت المحن والشدائد إلى أن نحتفظ بتوازننا النفسي من خلال التفكير بموضوعية في طبيعة الخطر وحدوده، وأن نقوم بأفعال إيجابية للحد منه، مستعينين بالوسائل العلمية الفعّالة، وأن نستشعر قدرة الله ومعونته لنا في المواجهة، وأن نكثر من ذكر الله ومن الصلاة والتضرع، كل هذا يمنحنا الشعور بالأمان، ذلك الشعور الذي يجعلنا قادرين على الإحساس بالآخرين؛ خصوصًا الضعفاء، فتفيض نفوسنا رحمة بهم وعطاءً لهم، ويجعلنا أيضًا في مأمن من استغلال الآخرين لنا حين نكون ضعفاء تحت تأثير الخوف.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

لماذا لا يكون كورورنا سببًا لتجديد الخطاب الديني؟!

نعم فجأة ودون مقدمات احتاج العالم وباء كورونا، ولجأت كل الدول للعلماء والأطباء والباحثين من أجل الوصول إلى علاج ناجع للوباء، وبالموازاة بدأ رجال الدين والعوام اللجوء إلى الله الرحيم ليكشف البلاء عن العالم..